سورة القرآن surah-quran.com

سورة ق

سورة ق، الآية 37

الجزء 26، الصفحة 520.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴿٣٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

إن في إهلاك القرون الماضية لعبرة لمن كان له قلب يعقل به، أو أصغى السمع، وهو حاضر بقلبه، غير غافل ولا ساهٍ.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 36 إلى 37

الآية 36: يقول تعالى مخوفاً للمشركين المكذِّبين للرسول: {وكمۡ أهۡلَكۡنا قبلَهم من قرنٍ}؛ أي: أمماً كثيرة {هم أشدُّ منهم بَطۡشاً}؛ أي: قوةً وآثاراً في الأرض، ولهذا قال:{فَنَقَّبوا في البلاد}؛ أي: بنوا الحصون المنيعة والمنازل الرفيعة، وغرسوا الأشجار، وأجروا الأنهار، وزرعوا، وعمَّروا، ودمَّروا، فلما كذَّبوا رسل الله وجحدوا آياته ؛ أخذهم الله بالعقاب الأليم والعذاب الشديد. {هل من مَحيصٍ}؛ أي: لا مفرَّ لهم من عذاب الله حين نزل بهم ولا منقذ، فلم تغن عنهم قوَّتُهم ولا أموالهم ولا أولادهم.

الآية 37:{إنَّ في ذلك لَذِكۡرى لِمَن كان له قلبٌ}؛ أي: قلبٌ عظيمٌ حيٌّ ذكيٌّ زكيٌّ؛ فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله؛ تذكَّر بها وانتفع فارتفع، وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله واستمعها استماعاً يسترشد به وقلبُه {شهيدٌ}؛ أي: حاضرٌ؛ فهذا أيضاً له ذكرى وموعظةٌ وشفاءٌ وهدى، وأمَّا المعرض الذي لم يصغِ سمعه إلى الآيات؛ فهذا لا تفيده شيئاً؛ لأنه لا قبول عنده، ولا تقتضي حكمةُ الله هداية من هذا نعته.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إنّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذْكُور ﴿لَذِكْرى﴾ لَعِظَة ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْب﴾ عَقْل ﴿أوْ ألْقى السَّمْع﴾ اسْتَمَعَ الوَعْظ ﴿وهُوَ شَهِيد﴾ حاضِر بِالقَلْبِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 36 إلى 40

يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ [[في م، أ: "المكذبين".]] : ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أَيْ: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً، وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَثَّرُوا فِيهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ : ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَسَارُوا فِي الْبِلَادِ، أَيْ سَارُوا فِيهَا يَبْتَغُونَ الْأَرْزَاقَ وَالْمَتَاجِرَ وَالْمَكَاسِبَ أَكْثَرَ مِمَّا طُفْتُمْ أَنْتُمْ فِيهَا وَيُقَالُ لِمَنْ طَوَّفَ فِي الْبِلَادِ: نَقَّبَ فِيهَا. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

لَقَدْ نَقَّبْتُ فِي الْآفَاقِ حَتّى ... رضيتُ من الغَنِيمة بالإيَابِ [[البيت في تفسير الطبري (٢٦/١١٠) .]] وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أَيْ: هَلْ مِنْ مَفَرٍّ كَانَ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ؟ وَهَلْ نَفَعَهُمْ مَا جَمَعُوهُ وَرَدَّ عَنْهُمْ عَذَابَ اللَّهِ إِذْ جَاءَهُمْ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ؟ فَأَنْتُمْ أَيْضًا لَا مَفَرَّ لَكُمْ وَلَا مَحِيدَ وَلَا مَنَاصَ وَلَا مَحِيصَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أَيْ: لَعِبْرَةٌ ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أَيْ: لُبٌّ يَعِي بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَقْلٌ ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أَيِ: اسْتَمَعَ الْكَلَامَ فَوَعَاهُ، وَتَعَقَّلَهُ بِقَلْبِهِ وَتَفَهَّمَهُ بِلُبِّهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ يَعْنِي: لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وَقَالَ: شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ [[في م: "القلب".]] .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: أَلْقَى فُلَانٌ سَمْعَهُ: إِذَا اسْتَمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَهُوَ شَاهِدٌ يَقُولُ غَيْرُ غَائِبٍ. وَهَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ : فِيهِ تَقْرِيرُ الْمَعَادِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ وَلِمَ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَتِ الْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ-: خَلَقَ اللَّهُ السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَهُمْ يُسَمُّونَهُ يَوْمَ الرَّاحَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ وَتَأَوَّلُوهُ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أَيْ: مِنْ إِعْيَاءٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا تَعَبٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَكَمَا قَالَ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ:٥٧] وَقَالَ ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٢٧] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُكَذِّبِينَ، اصْبِرْ عَلَيْهِمْ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ ثِنْتَيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ الْغُرُوبِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى أُمَّتِهِ حَوْلًا ثُمَّ نُسِخَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ وُجُوبُهُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَلَكِنْ مِنْهُنَّ [[في أ: "بينهن".]] صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ [[في أ: "حاتم".]] ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِيهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، بِهِ [[المسند (٤/٣٦٥) وصحيح البخاري برقم (٤٨٥١) وصحيح مسلم برقم (٦٣٣) وسنن أبي داود برقم (٣٧٢٩) وسنن الترمذي برقم (٢٥٥١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٣٠) وسنن ابن ماجه برقم (١١٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أَيْ: فَصَلِّ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] .

﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قَالَ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ.

وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ [[في أ: "بالأجور".]] العُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ! قَالَ: "أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا إِذَا فَعَلْتُمُوهُ سَبَقْتُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُمْ؟ تُسَبِّحُونَ وَتُحَمِّدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ [[في أ: "الإيمان".]] بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. قَالَ: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ" [[صحيح البخاري برقم (٦٣٢٩) وصحيح مسلم برقم (٥٩٥) .]] .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ هُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِهِ الْحَسَنِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَبِهِ يَقُولُ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِي وَالْحَسَنُ، وقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَة، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى أَثَرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ رَكْعَتَيْنِ [[في م: "ركعتين مكتوبة".]] إِلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ.

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، بِهِ [[المسند (١/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٢٧٥) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٣٤١) .]] . زَادَ النَّسَائِيُّ: وَمُطَرِّفٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[النسائي في السنن الكبرى برقم (٣٤٦) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ رَسُولِ ﷺ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: "يا ابن عَبَّاسٍ، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِدْبَارَ النُّجُومِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إِدْبَارَ السُّجُودِ".

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، بِهِ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٧٥) .]] . وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّهُ بَاتَ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ وَصَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (١١٩٨) وصحيح مسلم برقم (٧٦٣) .]] وَغَيْرِهِمَا، فَأَمَّا هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَغَرِيبَةٌ [وَ] [[زيادة من م.]] لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ورِشْدِين بْنُ كُرَيْب ضَعِيفٌ، وَلَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا القرون التي أهلكناها من قبل قريش ﴿لَذِكْرَى﴾ يُتذَكَّر بها ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ يعني: لمن كان له عقل من هذه الأمة، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم، خوفا من أن يحلّ بهم مثل الذي حل بهم من العذاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) : أي من هذه الأمة، يعني بذلك القلبِ: القلبَ الحيّ.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال: من كان له قلب من هذه الأمة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال: قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من الأمم. والقلب في هذا الموضع: العقل. وهو من قولهم: ما لفلان قلب، وما قلبه معه: أي ما عقله معه. وأين ذهب قلبك؟ يعني أين ذهب عقلك.

* *

وقوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

يقول: أو أصغى لإخبارنا إياه عن هذه القرون التي أهلكناها بسمعه، فيسمع الخبر عنهم، كيف فعلنا بهم حين كفروا بربهم، وعصوْا رسله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يقول: وهو متفهم لما يخبرُ به عنهم شاهد له بقلبه، غير غافل عنه ولا ساه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت الفاظهم فيه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يقول: إن استمع الذكر وشهد أمره، قال في ذلك: يجزيه إن عقله [[كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: فإن ذلك يجزيه إن عقله.]] .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ قال: وهو لا يحدّث نفسه، شاهد القلب.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: أي استمع بأذنيه، وهو شاهد، يقول: غير غائب.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: يسمع ما يقول، وقلبه في غير ما يسمع.

وقال آخرون: عنى بالشهيد في هذا الموضع: الشهادة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يعني بذلك أهل الكتاب، وهو شهيد على ما يقرأ في كتاب الله من بعث محمد ﷺ.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ على ما في يده من كتاب الله أنه يجد النبيّ ﷺ مكتوبا.

⁕ قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر، وقال الحسن: هو منافق استمع القول ولم ينتفع.

⁕ حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن السديّ، عن أبي صالح في قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: المؤمن يسمع القرآن، وهو شهيد على ذلك.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال: ألقى السمع يسمع ما قد كان مما لم يعاين من الأحاديث عن الأمم التي قد مضت، كيف عذّبهم الله وصنع بهم حين عَصوا رسله.