سورة القرآن surah-quran.com

سورة ق

سورة ق، الآية 8

الجزء 26، الصفحة 518.

تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ﴿٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

خلق الله السموات والأرض وما فيهما من الآيات العظيمة عبرة يُتبصر بها مِن عمى الجهل، وذكرى لكل عبد خاضع خائف وَجِل، رجّاع إلى الله عز وجل.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 11

الآية 6: لمَّا ذكر تعالى حالة المكذِّبين وما ذمَّهم به؛ دعاهم إلى النَّظر في آياته الأفقيَّة كي يعتبروا ويستدلُّوا بها على ما جُعلت أدلةً عليه، فقال:{أفلمۡ ينظُروا إلى السماءِ فوقَهم}؛ أي: لا يحتاجُ ذلك النظرُ إلى كلفةٍ وشدِّ رحل، بل هو في غاية السهولة، فينظرون {كيفَ بَنَيۡناها}: قبةً مستويةَ الأرجاء ثابتة البناء مزيَّنةً بالنجوم الخُنَّس والجواري الكُنَّس، التي ضُرِبتْ من الأفُق إلى الأفُق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيباً ولا فروجاً ولا خلالاً ولا إخلالاً، قد جعلها الله سقفاً لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم الضروريَّة ما أودع.

الآية 7: وإلى الأرض كيف مَدَدْناها ووسَّعناها حتى أمكن كلَّ حيوانٍ السكونُ فيها والاستقرار والاستعداد لجميع مصالحه، وأرساها بالجبال؛ لتستقرَّ من التَّزلزل والتموُّج. {وأنبَتۡنا فيها من كلِّ زوجٍ بهيجٍ}؛ أي: من كل صنفٍ من أصناف النبات التي تسرُّ ناظريها، وتُعْجِب مبصريها، وتُقِرُّ عين رامقيها لأكل بني آدم وأكل بهائمهم ومنافعهم.

{8 ـ 11} وخصَّ من تلك المنافع [بالذكر] الجنَّات المشتملة على الفواكه اللَّذيذة من العنب والرُّمان والأترجِّ والتُّفاح وغير ذلك من أصناف الفواكه، ومن النخيل الباسقات؛ أي: الطوال، التي يطول نفعها ، وترتفع إلى السماء حتى تبلغ مبلغاً لا يبلغه كثيرٌ من الأشجار، فتخرجَ من الطلع النضيد في قنوانها ما هو رزقٌ للعباد قوتاً وأدماً وفاكهةً يأكلون منه ويدَّخرون هم ومواشيهم. وكذلك ما يخرج الله بالمطر، وما هو أثره من الأنهار التي على وجه الأرض و [التي] تحتها من {حبِّ الحصيدِ}؛ أي: من الزَّرع المحصود من بُرٍّ وشعير وذرة وأرزٍّ ودخن وغيره؛ فإن في النظر في هذه الأشياء {تبصرةً}: يُتَبَصَّر بها من عمى الجهل، {وذكرى}: يُتَذَكَّر بها ما ينفع في الدين والدنيا، ويُتَذَكَّر بها ما أخبر الله به وأخبرت به رسله، وليس ذلك لكلِّ أحدٍ، بل {لكلِّ عبدٍ منيبٍ} إلى الله؛ أي: مقبل عليه بالحبِّ والخوف والرجاء وإجابة داعيه، وأمَّا المكذِّب أو المعرض؛ فما تغني الآياتُ والنُّذُر عن قوم لا يؤمنون. وحاصلُ هذا أنَّ ما فيها من الخلق الباهر والقوَّة والشدَّة دليلٌ على كمال قدرة الله تعالى، وما فيها من الحسن والإتقان وبديع الصنعة وبديع الخلقة دليلٌ على أنَّ اللهَ أحكمُ الحاكمين، وأنَّه بكلِّ شيء عليمٌ، وما فيها من المنافع والمصالح للعباد دليلٌ على رحمة الله التي وسعت كل شيء، وجوده الذي عمَّ كلَّ حيٍّ، وما فيها من عظمة الخلقة وبديع النِّظام دليلٌ على أنَّ الله تعالى هو الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يتَّخذ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له كفواً أحدٌ، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والذُّلُّ والحبُّ إلاَّ له، وما فيها من إحياء الأرض بعد موتها دليلٌ على إحياء الله الموتى ليجازِيَهم بأعمالهم، ولهذا قال:{وأحۡيَيۡنا به بلدةً ميتاً كذلك الخروجُ}. ولمَّا ذكَّرهم بهذه الآيات السماوية والأرضيَّة؛ خوَّفهم أخذات الأمم، وألاَّ يستمرُّوا على ما هم عليه من التكذيب، فيصيبهم ما أصاب إخوانَهم من المكذِّبين، فقال:

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿تَبْصِرَة﴾ مَفْعُول لَهُ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ تَبْصِيرًا مِنّا ﴿وذِكْرى﴾ تَذْكِيرًا ﴿لِكُلِّ عَبْد مُنِيب﴾ رَجّاع إلى طاعَتنا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 11

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا لِلْعِبَادِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا تَعَجَّبُوا مُسْتَبْعِدِينَ لِوُقُوعِهِ: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ ؟ أَيْ: بِالْمَصَابِيحِ، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي مِنْ شُقُوقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فُتُوقٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مِنْ صُدُوعٍ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الْمُلْكِ: ٣، ٤] أَيْ: كَلِيلٌ، أَيْ: عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ نَقْصًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أَيْ: وَسِعْنَاهَا وَفَرَشْنَاهَا، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وَهِيَ: الْجِبَالُ؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَتَضْطَرِبَ؛ فَإِنَّهَا مُقَرة عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ الْمُحِيطِ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أَيْ: مِنْ جَمِيعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَنْوَاعِ، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] ، وَقَوْلُهُ: ﴿بَهِيجٍ﴾ أَيْ: حَسَنٍ نَضِرٍ.

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أَيْ: ومشاهدة خلق السموات [وَالْأَرْضِ] [[زيادة من م، أ.]] وَمَا جَعَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] فِيهِمَا مِنَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ تَبْصِرَةٌ وَدَلَالَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، أَيْ: خَاضِعٍ خَائِفٍ وَجِلٍ رَجَّاع إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ أَيْ: نَافِعًا، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَهُوَ: الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْبَاسِقَاتُ الطِّوَالُ. ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أَيْ: مَنْضُودٌ. ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أَيْ: لِلْخَلْقِ، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زَوْجٍ بَهِيجٍ، مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي [[في م: "من".]] حُسْنِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ، فَهَذَا مِثَالٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى. وَهَذَا الْمُشَاهَدُ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِالْحِسِّ أَعْظَمُ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْجَاحِدُونَ لِلْبَعْثِ [[في م، أ: "البعث".]] كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غَافِرٍ: ٥٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً [[في م: "هامدة" وهو خطأ.]] فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 7 إلى 8

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) ﴾

وقوله ﴿وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾

يقول: والأرض بسطناها ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ يقول: وجعلنا فيها جبالا ثوابت، رست في الأرض، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وأنبتنا في الأرض من كلّ نوع من نبات حسن، وهو البهيج.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿بَهِيجٍ﴾ يقول: حسن.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ والرواسي الجبال ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ : أي من كلّ زوج حسن.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قلت لابن زيد ﴿البَهِيج﴾ : هو الحسن المنظر؟ قال نعم.

* *

وقوله ﴿تَبْصِرَةً﴾

يقول: فعلنا ذلك تبصرة لكم أيها الناس نبصركم بها قدرة ربكم على ما يشاء، ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يقول: وتذكيرا من الله عظمته وسلطانه، وتنبيها على وحدانيته ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يقول: لكل عبد رجع إلى الإيمان بالله، والعمل بطاعته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿تَبْصِرَة﴾ نعمة من الله يبصرها العباد ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ : أي بقلبه إلى الله.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ قال: تبصرة من الله.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿تَبْصِرَةً﴾ قال: بصيرة.

⁕ حدثنا ابن حُمَيد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن عطاء ومجاهد ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قالا مجيب.