سورة القرآن surah-quran.com

سورة ص

سورة ص، الآية 33

الجزء 23، الصفحة 455.

رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ﴿٣٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 32 إلى 33

فقال: إنني آثرت حب الخيل عن ذكر ربي حتى غابت الشمس عن عينيه، رُدُّوا عليَّ الخيل التي عُرضت من قبل، فرُدَّت عليه، فشرع يضرب سيقانها ورقابها بالسيف؛ قربةً لله، لأنها كانت سبب فوات صلاته. وكان التقرُّب بذبح الخيل مشروعًا في شريعته.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 30 إلى 40

الآية 30: لما أثنى الله تعالى على داودَ وذَكَرَ ما جرى له ومنه؛ أثنى على ابنِهِ سليمانَ عليهما السلام، فقال:{ووَهَبۡنا لداودَ سليمانَ}؛ أي: أنْعَمْنا به عليه وأقررْنا به عينَه. {نعم العبدُ}: سليمانُ عليه السلام، فإنَّه اتَّصف بما يوجب المدح، وهو {إنَّه أوابٌ}؛ أي: رجاعٌ إلى الله في جميع أحوالِهِ بالتألُّه والإنابة والمحبَّة والذِّكر والدُّعاء والتضرُّع والاجتهاد في مرضاة الله وتقديمها على كل شيءٍ.

{31 ـ 33} ولهذا؛ لما عُرِضَتِ [عليه] الخيل الجياد السبق {الصافناتُ}؛ أي: التي من وصفها الصُّفونُ، وهو رفع إحدى قوائِمِها عند الوقوف، وكان لها منظرٌ رائقٌ وجمالٌ معجبٌ، خصوصاً للمحتاج إليها؛ كالملوك؛ فما زالتْ تُعْرَضُ عليه حتى غابتِ الشمس في الحجاب، فألهتْه عن صلاة المساءِ وذِكْرِهِ، فقال ندماً على ما مضى منه، وتقرُّباً إلى الله بما ألهاه عن ذكرِهِ، وتقديماً لحبِّ الله على حبِّ غيره:{إنِّي أحببتُ حُبَّ الخيرِ}: وضمَّنَ أحببتُ معنى آثرتُ؛ أي: آثرتُ حبَّ الخير الذي هو المالُ عموماً وفي الموضع المرادُ الخيل {عن ذِكۡرِ ربِّي حتى تَوارَتۡ بالحجابِ. ردُّوها عليَّ}: فردُّوها، {فطَفِقَ}: فيها {مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ}؛ أي: جعل يعقِرُها بسيفِهِ في سوقِها وأعناقها.

الآية 34:{ولقد فتنَّا سليمانَ}؛ أي: ابتليْناه واختبرْناه بذَهابِ ملكِهِ وانفصالِهِ عنه بسبب خلل اقتضتْه الطبيعةُ البشريةُ، {وألقَيۡنا على كرسيِّه جسداً}؛ أي: شيطاناً قضى الله وقَدَّر أن يجلسَ على كرسيِّ ملكِهِ ويتصرَّفَ في الملك في مدَّةِ فتنة سليمان، {ثم أنابَ}: سليمانُ إلى الله تعالى، وتابَ.

{35 ـ 39} فَـ {قَالَ ربِّ اغۡفِرۡ لي وَهَبۡ لي مُلۡكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنَّك أنت الوهابُ}: فاستجاب الله له، وغفر له، وردَّ عليه مُلْكَه، وزادَه ملكاً لم يحصُلْ لأحدٍ من بعده، وهو تسخيرُ الشياطين له يبنونَ ما يريدُ ويغوصون له في البحر يستخرِجون الدُّرَّ والحُلِيَّ، ومَنْ عصاه منهم؛ قَرَّنَه في الأصفاد وأوثقه، وقلنا له:{هذا عطاؤنا}: فَقُرَّ به عيناً، {فامنُنۡ}: على من شئتَ، {أو أمۡسِكۡ}: مَنْ شئتَ {بغير حسابٍ}؛ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حسابَ؛ لعلمه تعالى بكمال عدلِهِ وحسن أحكامِهِ.

الآية 40: ولا تحسبنَّ هذا لسليمانَ في الدُّنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خيرٌ عظيمٌ، ولهذا قال:{وإنَّ له عندَنا لَزُلۡفى وحسنَ مآبٍ}؛ أي: هو من المقرَّبين عند اللهِ المكرَمين بأنواع الكراماتِ لله.

فصل فيما تبيَّن لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام. فمنها: أنَّ الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أخبارَ من قبله ليثبِّتَ فؤاده وتطمئنَّ نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم ما يشوِّقُه إلى منافستهم والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له والصبر على أذى قومه، ولهذا في هذا الموضع لما ذَكَرَ الله ما ذكر من أذيَّةِ قومِهِ وكلامِهم فيه وفيما جاء به؛ أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. ومنها: أنَّ الله تعالى يمدحُ ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوَّةَ القلب والبدن؛ فإنَّه يحصُلُ منها من آثار الطاعة وحسنِها وكثرتِها ما لا يحصُلُ مع الوهن وعدم القوَّة، وأنَّ العبد ينبغي له تعاطي أسبابها وعدم الركونِ إلى الكسل والبطالة المخلَّةِ بالقوَّة المضعفة للنفس. ومنها: أنَّ الرجوع إلى الله في جميع الأمورِ من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقِهِ؛ كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك؛ فَلْيَقْتَدِ بهما المقتدون، ولْيَهْتَدِ بُهداهم السالكون، {أولئك الذين هدى الله فبِهُداهُمُ اقۡتَدِه}. ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داود عليه السلامُ من حسن الصوت العظيم الذي جعل اللَّه بسببه الجبال الصُّمَّ والطيور البُهْمَ يجاوِبْنه إذا رجَّع صوتَه بالتسبيح، ويسبِّحْن معه بالعشيِّ والإشراق. ومنها: أنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يرزُقَه العلم النافع ويعرِفَ الحُكْمَ والفصلَ بين الناس؛ كما امتنَّ الله به على عبدِهِ داود عليه السلام. ومنها: اعتناءُ الله تعالى بأنبيائِهِ وأصفيائِهِ عندما يقع منهم بعضُ الخلل بفتنتِهِ إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى؛ كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أنَّ الأنبياءَ صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلِّغون عن الله تعالى؛ لأنَّ مقصودَ الرسالة لا يحصُلُ إلاَّ بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكنَّ الله يتداركُهم ويبادِرُهم بلطفِهِ. ومنها: أن داود عليه السلام في أغلب أحواله لازماً محرابه لخدمةِ ربِّه، ولهذا تسوَّر الخصمان عليه المحرابَ؛ لأنَّه كان إذا خلا في محرابه؛ لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعلْ كلَّ وقتِهِ للناس مع كثرةِ ما يَرِدُ عليه من الأحكام، بل جعل له وقتاً يخلو فيه بربِّه وتَقَرُّ عينُه بعبادتِهِ، وتعينُه على الإخلاص في جميع أموره. ومنها: أنَّه ينبغي استعمال الأدبِ في الدخول على الحكَّام وغيرهم؛ فإنَّ الخصمين لما دخلا على داود في حالةٍ غير معتادةٍ ومن غير الباب المعهود؛ فَزِعَ منهم، واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غيرُ لائقٍ بالحال. ومنها: أنَّه لا يمنعُ الحاكمَ من الحكم بالحقِّ سوءُ أدبِ الخصم وفعلِهِ ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم داود عليه السلام؛ فإنَّه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملكُ، ولا انتهرهما، ولا وبَّخهما. ومنها: جوازُ قول المظلموم لِمَنْ ظَلَمَه: أنت ظَلَمْتَني أو: يا ظالم! ونحو ذلك أو باغٍ عليَّ! لقولهما: {خصمان بغى بعضُنا على بعضٍ}. ومنها: أنَّ الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدرِ جليل العلم، إذا نَصَحَهُ أحدٌ أو وَعَظَه؛ لا يغضبُ ولا يشمئزُّ، بل يبادِرُه بالقَبول والشكر؛ فإنَّ الخصمين نَصَحا داود، فلم يشمئزَّ ولم يغضبْ ولم يَثْنِهِ ذلك عن الحقِّ، بل حكم بالحقِّ الصرف. ومنها: أنَّ المخالطةَ بين الأقارب والأصحاب وكثرةَ التعلُّقاتِ الدنيويَّة الماليَّة موجبةٌ للتعادي بينهم، وبغي بعضِهم على بعضٍ، وأنَّه لا يردُّ عن ذلك إلاَّ استعمال تقوى الله والصبر على الأمور بالإيمان والعمل الصالح، وأنَّ هذا من أقل شيءٍ في الناس. ومنها: أنَّ الاستغفار والعبادة، خصوصاً الصلاة، من مكفرات الذنوب؛ فإنَّ الله رتَّب مغفرةَ ذنبِ داود على استغفارِهِ وسجودِهِ. ومنها: إكرامُ الله لعبدِهِ داود وسليمان بالقرب منه وحسن الثوابِ، وأنْ لا يظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا مِنْ تمام لطفِهِ بعباده المخلِصين؛ أنَّه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم؛ أزال الآثار المترتِّبة عليه كلَّها، حتى ما يقع في قلوب الخلق؛ فإنَّهم إذا علموا ببعض ذنوبهم؛ وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أنَّ الحكم بين الناس مرتبةٌ دينيةٌ تولاَّها رسل الله وخواصُّ خلقه، وأنَّ وظيفة القائم بها الحكمُ بالحقِّ ومجانبةُ الهوى؛ فالحكمُ بالحقِّ يقتضي العلم بالأمور الشرعيَّة والعلم بصورة القضيَّةِ المحكوم بها وكيفيَّة إدخالها في الحكم الشرعي؛ فالجاهلُ بأحدِ الأمرين لا يَصْلُحُ للحكم، ولا يحلُّ له الإقدام عليه. ومنها: أنَّه ينبغي للحاكم أن يَحْذَرَ الهوى ويَجْعَلَه منه على بال؛ فإنَّ النفوس لا تَخْلو منه، بل يجاهدُ نفسَه بأن يكونَ الحقُّ مقصودَه، وأن يلقي عنه وقتَ الحكم كلَّ محبةٍ أو بغضٍ لأحدِ الخصمين. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام من فضائل داود ومن مِنَنِ الله عليه حيث وَهَبَه له، وأنَّ من أكبر نعم الله على عبدِهِ أن يَهَبَ له ولداً صالحاً؛ فإنْ كان عالماً؛ كان نوراً على نور. ومنها: ثناءُ الله تعالى على سليمان ومدحِهِ في قوله: {نِعۡمَ العبدُ إنَّه أوَّابٌ}. ومنها: كثرة خيرِ الله وبرِّه بعبيده أنْ يَمُنَّ عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يُثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان محبَّةَ الله تعالى على محبَّةِ كل شيء. ومنها: أنَّ كل ما شغل العبد عن الله؛ فإنَّه مشؤومٌ مذمومٌ؛ فليفارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفعُ له. ومنها: القاعدة المشهورةُ: من ترك شيئاً لله؛ عوَّضَه الله خيراً منه. فسليمان عليه السلام عَقَرَ الجيادَ الصافناتِ المحبوبةَ للنفوس تقديماً لمحبَّة الله، فعوَّضه الله خيراً من ذلك؛ بأنْ سخَّرَ له الريح الرُّخاءَ الليِّنة التي تجري بأمره إلى حيثُ أراد وقصد، غدوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ، وسخَّر له الشياطين أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدِرُ عليها الآدميُّون. ومنها: أنَّ تسخير الشياطين لا تكون لأحدٍ بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أنَّ سليمان عليه السلام كان مَلِكاً نبيًّا، يفعلُ ما أراد، ولكنَّه لا يريد إلاَّ العدل، بخلاف النبيِّ العبد؛ فإنَّه تكون إرادتُه تابعةً لأمر اللَّه؛ فلا يفعل ولا يترك إلاَّ بالأمر؛ كحال نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -، وهذه الحال أكمل.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ أيْ الخَيْل المَعْرُوضَة فَرَدُّوها ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾ بِالسَّيْفِ ﴿بِالسُّوقِ﴾ جَمْع ساق ﴿والأَعْناق﴾ أيْ ذَبْحها وقَطْع أرْجُلها تَقَرُّبًا إلى اللَّه تَعالى حَيْثُ اشْتَغَلَ بِها عَنْ الصَّلاة وتَصَدَّقَ بِلَحْمِها فَعَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنها وأَسْرَعَ وهِيَ الرِّيح تَجْرِي بِأَمْرِهِ كَيْفَ شاءَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 30 إلى 33

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، أَيْ: نَبِيًّا كَمَا قَالَ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ حَرَائِرَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا [[في ت: "بإسناده".]] مَكْحُولٌ قَالَ: لَمَّا وَهَبَ اللَّهُ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ [[في ت، س: "عليهما".]] السَّلَامُ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ مَا أَحْسَنُ؟ قَالَ: سَكِينَةُ اللَّهِ وَإِيمَانٌ. قَالَ: فَمَا أَقْبَحُ؟ قَالَ: كَفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَحْلَى؟ قَالَ: رَوْحُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ. قَالَ: فَمَا أَبْرَدُ؟ قَالَ: عَفْوُ اللَّهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَنْتَ نَبِيٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أَيْ: إِذْ عُرِضَ عَلَى سُلَيْمَانَ فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ، وَالْجِيَادُ: السِّرَاعُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.

وَقَالَ [[في ت: "روى".]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤمَّل حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قَالَ: كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَاتَ أَجْنِحَةٍ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ، فَعَقَرَهَا وَهَذَا أَشْبَهُ [[في أ: "الأشبه".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُمَارة بْنُ غَزيَّة: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [[في ت: "بإسناده".]] عَنْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ -أَوْ خَيْبَرَ-وَفِي سَهْوَتِهَا سَتْرٌ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السَّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ -لُعَب-فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ [[في أ: "لها".]] جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ: "مَا هَذَا [[في أ: "ما هذا يا عائشة".]] الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ [[سنن أبي داود برقم (٤٩٣٢) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [[في ت، س: "قال".]] ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ [[في ت، أ: "عن وقت".]] صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ [[في أ: "المغرب".]] وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَقَالَ: [[في ت: "قال".]] فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَان فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا [[في ت: "فتوضأنا".]] لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ [[صحيح البخاري برقم (٤١١٢) وصحيح مسلم برقم (٦٣١) .]]

وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ [[في أ: "ادعى هذا طائفة".]] سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ. وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلْقِتَالِ. وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ [[في س، أ: "أنه قد كان".]] مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُضَايَقَةِ، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَلَاةٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَالْأَوَّلُ أُقَرَبُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا [[في أ: "أحر ما".]] عَلَيْكِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِالسُّيُوفِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ، وَعَرَاقِيبُهَا حِبَالُهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِلَا سَبَبٍ سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صِلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ لَهَا. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لله عز وجل بسبب أنه اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى [[في ت، س: "عز وجل".]] عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا [[في ت، س: "بما".]] هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ [[في ت، س، أ: "وهو".]] الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ [[وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/١٩٥، ١٩٦) .]]

وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ [[في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".]] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ -وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ-قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ [[في أ: "لله".]] -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ" [[المسند (٥/٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٦) : "رجاله رجال الصحيح".]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 30 إلى 33

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (٣٣) ﴾

يقول تعالى ذكره ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنه ولدا ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ يقول: نعم العبد سليمان ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: شي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: الأواب: المسبّح.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: كان مطيعًا لله كثير الصلاة.

⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال: المسبِّح.

والمسبِّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيَّنَّا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا.

* *

وقوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾

يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات؛ فإذ من صلة أواب، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه. وزعم الفرّاء أن الصافن: هو القائم، يقال منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِن صُفُونًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: صُفُون الفرس: رَفْع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر.

⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صَفَنَ الفرسُ: رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعني: الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها.

⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: الصافنات، قال: الخيل.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان، من مرج من مروج البحر. قال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْن [[لم نجد" الصفن" بسكون الفاء مصدرا لصفنت الخيل، وإنما مصدره الصفون مثل جلس يجلس جلوسا، وهو القياس، لأن الفعل لازم، والصفن: مصدر للمعتدي.]]

أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصافنات: الخيل، وكانت لها أجنحة.

وأما الجياد، فإنها السِّراع، واحدها: جواد.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قاله. ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الجياد: قال: السِّراع.

وذُكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة.

ذكر الخبر بذلك:

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، في قوله ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة.

* *

وقوله ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾

وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره: فَلَهِيَ عن الصلاة حتى فاتته، فقال: إني أحببت حب الخير. ويعني بقوله (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) : أي المال والخيل، أو الخير من المال.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السُّدِّيّ ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: الخيل.

⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال: المال.

* *

وقوله ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾

يقول: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته. وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر.

⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال. صلاة العصر. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكري يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود.

* *

وقوله ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾

يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها.

كما:-

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ميكائيل، عن داود بن أبي هند، قال: قال ابن مسعود، في قوله ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قال: توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) حتى دَلَكَتْ براح. قال قتادة: فوالله ما نازعته بنو إسرائيل ولا كابروه، ولكن ولوه من ذلك ما ولاه الله.

⁕ حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ حتى غابت.

* *

وقوله ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾

يقول: ردّوا عليّ الخيل التي عرضت عليّ، فشغلتني عن الصلاة، فكروها عليّ.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ قال: الخيل.

* *

وقوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾

يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق.

واختلف أهل التأويل في معنى مسح سليمان بسوق هذه الخيل الجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قال: قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، قال قولهما فيه، يعني قتادة والحسن قال: فكَسَف عراقيبها، وضرب أعناقها.

⁕ حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ فضرب سوقها وأعناقها.

⁕ حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، قال: أمر بها فعقرت.

وقال آخرون: بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حُبًّا لها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها: حبا لها.

وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله ﷺ لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.