سورة القرآن surah-quran.com

سورة ص

سورة ص، الآية 75

الجزء 23، الصفحة 457.

قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ﴿٧٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

قال الله لإبليس: ما الذي منعك من السجود لمن أكرمتُه فخلقتُه بيديَّ؟ أستكبرت على آدم، أم كنت من المتكبرين على ربك؟ وفي الآية إثبات صفة اليدين لله تبارك وتعالى، على الوجه اللائق به سبحانه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 65 إلى 88

الآية 65:{قل}: يا أيُّها الرسولُ لهؤلاء المكذِّبين إنْ طَلَبوا منك ما ليس لك ولا بيدِكَ: {إنَّما أنا منذرٌ}: هذا نهايةُ ما عندي، وأمَّا الأمرُ؛ فلله تعالى، ولكني آمرُكُم وأنهاكُم وأحثُّكم على الخير وأزجُرُكم عن الشرِّ؛ فمنِ اهتدى فلنفسِهِ، ومن ضلَّ فعليها. {وما مِنۡ إلهٍ إلاَّ الله}؛ أي: ما أحدٌ يؤلَّه ويُعبدُ بحقِّ إلاَّ الله، {الواحدُ القهارُ}: هذا تقريرٌ لألوهيَّته بهذا البرهان القاطع، وهو وحدتُه تعالى وقهرُه لكلِّ شيء؛ فإنَّ القهر ملازمٌ للوحدة؛ فلا يكون قهّارَيْنِ متساوِيَيْنِ في قهرهما أبداً، فالذي يقهر جميع الأشياءِ هو الواحدُ الذي لا نظير له، وهو الذي يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه كما كان قاهراً وحدَه.

الآية 66: وقرَّر ذلك أيضاً بتوحيد الربوبيَّة، فقال:{ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهما}؛ أي: خالقُهما ومربِّيهما ومدبِّرُهما بجميع أنواع التدابير، {العزيزُ}: الذي له القوة التي بها خَلَقَ المخلوقاتِ العظيمة. {الغفَّارُ}: لجميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحبُّ، ويستحقُّ أن يُعْبَدَ دونَ مَنْ لا يخلُق، ولا يرزُق ولا يضرُّ، ولا ينفعُ، ولا يملِكُ من الأمر شيئاً، وليس له قوَّةُ الاقتدار، ولا بيدِهِ مغفرةُ الذُّنوب والأوزار.

{67 ـ 68}{قل}: لهم مخوفاً ومحذِّراً ومنهضاً لهم ومنذراً: {هو نبأٌ عظيمٌ}؛ أي: ما أنبأتُكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال خبرٌ عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفالُه. ولكنْ {أنتُم عنه معرِضونَ}: كأنَّه ليس أمامكم حسابٌ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ.

{69 ـ 70} فإنْ شَكَكْتُم في قولي وامْتَرَيْتُم في خبري؛ فإني أخبركم بأخبارٍ لا علم لي بها ولا دَرَسْتُها في كتاب؛ فإخباري بها على وجهها من غير زيادةٍ ولا نقصٍ أكبرُ شاهدٍ لصدقي وأدلُّ دليل على حقِّ ما جئتُكم به، ولهذا قال:{ما كان لي من علم بالملأ الأعلى}؛ أي: الملائكة؛ {إذۡ يَخۡتَصِمونَ}؛ لولا تعليم الله إيَّاي وإيحاؤه إليَّ، ولهذا قال:{إن يوحى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: ظاهر النذارة جليُّها؛ فلا نذير أبلغ من نذارتِهِ - صلى الله عليه وسلم -.

{71 ـ 72} ثم ذَكَرَ اختصام الملأ الأعلى، فقال:{إذ قال ربُّك للملائكة}: على وجه الإخبارِ، {إنِّي خالقٌ بشراً من طينٍ}؛ أي: مادَّتُه من طين، {فإذا سَوَّيۡتُهُ}؛ أي: سويت جسمه وتمَّ، {ونفختُ فيه من روحي فَقَعوا له ساجدينَ}.

{73 ـ 74} فوطَّن الملائكةُ الكرامُ أنفسَهم على ذلك حين يتمُّ خلقُهُ ونفخُ الروح فيه امتثالاً لربِّهم وإكراماً لآدم عليه السلام، فلما تمَّ خلقُه في بدنِهِ وروحِهِ، وامتحنَ الله آدمَ والملائكةَ في العلم، وظهر فضلُه عليهم؛ أمرهم الله بالسجودِ، فسجدوا {كلُّهم أجمعون، إلاَّ إبليسَ}: لم يسجد، {استَكۡبَرَ}: عن أمر ربِّه، واستكبر على آدم، {وكان من الكافرينَ}: في علم الله تعالى.

الآية 75: فقال اللهُ له موبِّخاً ومعاتباً: {ما مَنَعَكَ أن تسجدَ لما خلقتُ بيديَّ}؛ أي: شرَّفْتُه وكرَّمْتُه واختصصتُه بهذه الخصيصة التي اختصَّ بها عن سائر الخلق، وذلك يقتضي عدم التكبُّر عليه. {أستكبرتَ}: في امتناعِك {أم كنتَ من العالينَ}.

الآية 76:{قال} إبليسُ معارضاً لربِّه مناقضاً: {أنا خيرٌ منه خَلَقۡتَني من نارٍ وخَلَقۡتَهُ من طين}: وبزعمِهِ أنَّ عنصر النار خيرٌ من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسدِ؛ فإنَّ عنصرَ النار مادَّةُ الشرِّ والفساد والعلوِّ والطيش والخفَّة، وعنصرُ الطِّين مادَّةُ الرزانة والتواضُع وإخراج أنواع الأشجارِ والنباتات، وهو يغلِبُ النار ويطفِئُها، والنارُ تحتاج إلى مادَّةٍ تقومُ بها والطينُ قائمٌ بنفسِهِ. فهذا قياسُ شيخ القوم، الذي عارض به الأمر الشفاهيَّ من الله، قد تبيَّن غايةُ بطلانِهِ وفسادِهِ؛ فما بالُك بأقيسةِ التلاميذ الذين عارضوا الحقَّ بأقْيِسَتِهِم؛ فإنَّها كلَّها أعظمُ بطلاناً وفساداً من هذا القياس.

{77 ـ 78} فقال الله له: اخرج {منها}؛ أي: من السماء والمحلِّ الكريم، {فإنَّك رجيمٌ}؛ أي: مبعد مدحور، {وإنَّ عليك لعنتي} أي: طردي وإبعادي {إلى يوم الدين}: دائماً أبداً.

الآية 79:{قال ربِّ فأنظِرۡني إلى يوم يبعثون}: لشدَّة عداوتِهِ لآدمَ وذرَّيَّته؛ ليتمكَّن من إغواء مَنْ قَدَّرَ الله أن يُغْوِيَه.

{80 ـ 81} فـ {قال} الله مجيباً لدعوتِهِ حيث اقتضتْ حكمتُهُ ذلك: {إنَّكَ من المُنۡظَرين. إلى يوم الوقتِ المعلوم}: حين تُسْتَكْمَلُ الذريَّةُ، ويتمُّ الامتحان.

{82 ـ 83} فلما علم أنه مُنْظَرٌ؛ بادى ربَّه من خبثه بشدَّة العداوةِ لربِّه ولآدم وذُرِّيَّتِهِ، فقال:{فبعزَّتِك لأغۡوِيَنَّهُم أجمعينَ}: يُحتمل أنَّ الباء للقسم، وأنَّه أقسم بعزَّةِ الله ليغوينَّهم كلَّهم أجمعين {إلاَّ عبادك منهم المخلَصين}: علم أنَّ الله سيحفظُهم من كيدِهِ. ويُحتمل أنَّ الباء للاستعانة، وأنَّه لما علم أنه عاجزٌ من كل وجهٍ، وأنه لا يضلُّ أحداً إلاَّ بمشيئة الله تعالى، فاستعانَ بعزَّةِ الله على إغواءِ ذُرِّيَّةِ آدمَ. هذا وهو عدوُّ الله حقًّا، ونحن يا ربَّنا العاجزونَ المقصرونَ، المقرُّونَ لك بكل نعمةٍ، ذُرِّيَّةُ من شَرَّفْتَه وكرَّمْتَه؛ فنستعين بعزَّتك العظيمة، وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكلِّ مخلوق، ورحمتك التي أوصلتَ إلينا بها ما أوصلتَ من النعم الدينيَّة والدنيويَّة، وصرفتَ بها ما عنَّا صرفتَ من النِّقم، أن تعينَنا على محاربتِهِ وعداوتِهِ والسلامة من شرِّه وشركِهِ، ونحسنُ الظَّنَّ بك أن تجيبَ دعاءنا، ونؤمنُ بوعدِك الذي قلت لنا:{وقال ربُّكم ادۡعوني أسۡتَجِبۡ لكُم}؛ فقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاستجِبْ لنا كما وَعَدْتَنا. {إنَّك لا تُخۡلِفُ الميعاد}.

{84 ـ 85}{قال} الله تعالى: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ}؛ أي: الحقُّ وصفي والحقُّ قولي، {لأملأنَّ جهنَّم منك ومِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعينَ}.

الآية 86: فلما بيَّنَ الرسول للناس الدليلَ، ووضَّح لهم السبيلَ؛ قال الله له:{قل ما أسألُكُم عليه}؛ أي: على دعائي إياكم {من أجرٍ وما أنا من المتكلِّفين}: أدَّعي أمراً ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علمٌ، لا أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ.

الآية 87:{إنۡ هو}؛ أي: هذا الوحي والقرآن {إلاَّ ذِكۡرٌ للعالَمين}: يتذكَّرون به كلَّ ما ينفعُهم من مصالح دينهم ودُنياهم، فيكون شرفاً ورفعةً للعالمين به وإقامةَ حجَّة على المعاندين. فهذه السورة العظيمة مشتملةٌ على الذِّكْر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامةِ الحُجَج والبراهين على مَنْ كذَّب بالقرآن، وعارَضَه، وكذَّب مَنْ جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلَصين، وجزاء المتَّقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنَّه ذو الذِّكْر، ووصفه في آخرها بأنَّه ذِكْرٌ للعالمين، وأكثَرَ التَّذْكيرَ بها فيما بين ذلك؛ كقوله:{واذۡكُرۡ عَبۡدَنا}، {واذۡكُرۡ عِبَادَنا}، {رحمةً منّا وذِكۡرى}، {هذا ذكرٌ}. اللهمَّ علِّمْنا منه ما جهلنا، وذكِّرْنا منه ما نَسينا نِسيانَ غفلةٍ ونسيان تركٍ.

الآية 88:{ولَتَعۡلَمُنَّ نبأه}؛ أي: خبره {بعد حينٍ}: وذلك حين يقع عليهم العذابُ، وتتقطَّع عنهم الأسبابُ.

تم تفسير سورة ص بمنِّه تعالى وعونه.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قالَ يا إبْلِيس ما مَنَعَك أنْ تَسْجُد لِما خَلَقْت بِيَدَيّ﴾ أيْ تَوَلَّيْت خَلْقه وهَذا تَشْرِيف لِآدَم فَإنَّ كُلّ مَخْلُوق تَوَلّى اللَّه خَلْقه ﴿أسْتَكْبَرْت﴾ الآن عَنْ السُّجُود اسْتِفْهام لِلتَّوْبِيخِ ﴿أمْ كُنْت مِنَ العالِينَ﴾ المُتَكَبِّرِينَ فَتَكَبَّرْت عَنْ السُّجُود لِكَوْنِك مِنهُمْ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 71 إلى 85

هَذِهِ الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ، تَعَالَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" وَفِي أَوَّلِ "الْأَعْرَافِ" وَفِي سُورَةِ "الْحِجْرِ" وَ [فِي] [[زيادة من ت.]] سُبْحَانَ" وَ "الْكَهْفِ"، وَهَاهُنَا وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ الْمَلَائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمْرِ مَتَى فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَسْوِيَتِهِ فَلْيَسْجُدُوا لَهُ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَامْتَثَلَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ سِوَى إِبْلِيسَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ جِنْسًا كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَخَانَهُ طَبْعُهُ وَجِبِلَّتُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ فَاسْتَنْكَفَ [[في أ: "فاستأنف".]] عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ وَخَاصَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَادَّعَى [[في ت: "فادعى".]] أنه خير من آدم فإنه مخلوق مِنْ نَارٍ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَالنَّارُ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ فِي زَعْمِهِ. وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ، وَكَفَرَ بِذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفَهُ وَطَرَدَهَ عَنْ [[في أ: "لم".]] بَابِ رَحْمَتِهِ وَمَحَلِّ أُنْسِهِ وَحَضْرَةِ قُدْسِهِ وَسَمَّاهُ "إِبْلِيسَ" إِعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أبْلَس مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنْزَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَذْمُومًا مَدْحُورًا إِلَى الْأَرْضِ فَسَأَلَ اللَّهَ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَأَنْظَرَهُ الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْجَل عَلَى مَنْ عَصَاهُ. فَلَمَّا أَمِنَ الْهَلَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَمَرَّدَ وَطَغَى وَقَالَ: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٢] وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ [[في أ: "الله عز وجل".]] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٥]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ. أَقُولُ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ بِرَفْعِ "الْحَقُّ" الْأَوْلَى [[في أ: "من".]] وَفَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقُّ أَقُولُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ.

وَقَرَأَ آخَرُونَ بِنَصْبِهِمَا.

قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ.

قُلْتُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٣]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 75 إلى 76

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿قَالَ﴾ الله لإبليس، إذ لم يسجد لآدم، وخالف أمره: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ يقول: أي شيء منعك من السجود ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يقول: لخلق يديّ ؛ يخبر تعالى ذكره بذلك أنه خلق آدم بيديه.

كما:-

⁕ حدثنا ابن المثني، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عبيد المكتب، قال: سمعت مجاهدا يحدّث عن ابن عمر، قال: خلق الله أربعة بيده: العرش، وعَدْن، والقلم، وآدم، ثم قال لكلّ شيء كن فكان.

* *

وقوله ﴿أَسْتَكْبَرْت﴾

يقول لإبليس: تعظَّمت عن السجود لآدم، فتركت السجود له استكبارا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ يقول: أم كنت كذلك من قبل ذا علوّ وتكبُّر على ربك ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: فعلت ذلك فلم أسجد للذي أمرتني بالسجود له لأني خير منه وكنت خيرا لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار تأكل الطين وتحرقه، فالنار خير منه، يقول: لم أفعل ذلك استكبارا عليك، ولا لأني كنت من العالين، ولكني فعلته من أجل أني أشرف منه؛ وهذا تقريع من الله للمشركين الذين كفروا بمحمد ﷺ، وأبوا الانقياد له، واتباع ما جاءهم به من عند الله استكبارا عن أن يكونوا تبعا لرجل منهم حين قالُوا: ﴿أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ و ﴿هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فقصّ عليهم تعالى قصة إبليس وإهلاكه باستكباره عن السجود لآدم بدعواه أنه خير منه، من أجل أنه خلق من نار، وخلق آدم من طين، حتى صار شيطانا رجيما، وحقت عليه من الله لعنته، محذّرهم بذلك أن يستحقوا باستكبارهم على محمد، وتكذيبهم إياه فيما جاءهم به من عند الله حسدا، وتعظما من اللعن والسخط ما استحقه إبليس بتكبره عن السجود لآدم.