سورة القرآن surah-quran.com

سورة طه

سورة طه، الآية 1

الجزء 16، الصفحة 312.

طه ﴿١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

﴿طه﴾ سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 8

وهي مكية

{1 ـ 2}{طه}: من جملة الحروف المقطَّعة المفتَتَح بها كثيرٌ من السور، وليست اسماً للنبي - صلى الله عليه وسلم -. {ما أنزلنا عليكَ القرآن لِتَشۡقى}؛ أي: ليس المقصود بالوحي وإنزال القرآن عليك وشرع الشريعة لِتَشْقى بذلك، ويكونَ في الشريعة تكليفٌ يشقُّ على المكلَّفين، وتعجزُ عنه قُوى العاملين، وإنَّما الوحي والقرآن والشرع شَرَعَهُ الرحيم الرحمن، وجَعَلَهُ موصلاً للسعادة والفلاح والفوز، وسهَّله غايةَ التسهيل، ويسَّر كلَّ طرقه وأبوابه، وجعله غذاء للقلوب والأرواح وراحةً للأبدان، فتلقَّتْه الفطر السليمة والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان؛ لِعِلْمها بما احتوى عليه من الخير في الدُّنيا والآخرة.

الآية 3: ولهذا قال: {إلاَّ تَذۡكِرَةً لِمَن يَخۡشى}: إلاَّ ليتذكَّر به من يَخْشى الله تعالى، فيتذكر ما فيه من الترغيب لأجل المطالب فيعمل بذلك، ومن الترهيب عن الشقاء والخسران فيرهب منه، ويتذكَّر به الأحكام الحسنةَ الشرعيَّة المفصَّلة التي كان مستقرًّا في عقله حسنها مجملاً، فوافق التفصيلُ ما يَجِدُهُ في فطرتِهِ وعقلِهِ، ولهذا سمَّاه الله تذكرةً، والتَّذْكِرَةُ لشيء كان موجوداً؛ إلاَّ أن صاحبَه غافلٌ عنه أو غير مستحضرٍ لتفصيلِهِ. وخصَّ بالتَّذْكِرَةِ مَنْ يخشى؛ لأنَّ غيره لا ينتفع به، وكيف ينتفعُ به من لم يؤمنْ بجنَّة ولا نارٍ ولا في قلبه من خشيةِ الله مثقال ذرة؟! هذا ما لا يكون، {سَيَذَّكَّرُ مَنۡ يخشى. ويتجنَّبُها الأشقى. الذي يَصۡلى النار الكُبرى}.

الآية 4: ثم ذَكَرَ جلالة هذا القرآن العظيم، وأنه تنزيلُ خالقِ الأرض والسماوات، المدبِّر لجميع المخلوقات؛ أي: فاقبلوا تنزيلَه بغاية الإذعان والمحبَّة والتسليم، وعظِّموه نهاية التعظيم. وكثيراً ما يقرِنُ بين الخَلْق والأمر؛ كما في هذه الآية وكما في قوله:{ألا لَهُ الخلقُ والأمر}، وفي قوله:{الله الذي خَلَقَ سبعَ سمواتٍ ومن الأرضِ مثلَهُنَّ يتنزَّلُ الأمرُ بينهنَّ}، وذلك أنَّه الخالق الآمر الناهي؛ فكما أنه لا خالق سواه؛ فليس على الخلق إلزامٌ ولا أمرٌ ولا نهيٌ إلاَّ من خالقهم. وأيضاً؛ فإنَّ خلقه للخلق فيه من التدبير القدريِّ الكونيِّ، وأمره فيه التدبير الشرعيُّ الدينيُّ؛ فكما أنَّ الخلق لا يخرُجُ عن الحكمة، فلم يَخْلُقْ شيئاً عبثاً؛ فكذلك لا يأمُرُ ولا ينهى إلاَّ بما هو عدلٌ وحكمةٌ وإحسانٌ.

الآية 5: فلما بين أنه الخالق المدبِّر الآمر الناهي؛ أخبر عن عظمته وكبريائه، فقال:{الرحمن على العرش}: الذي هو أرفع المخلوقات وأعظمُها وأوسعها، {استوى}: استواءً يَليقُ بجلالِهِ ويناسب عظمتَه وجمالَه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك.

الآية 6:{له ما في السمواتِ وما في الأرض وما بينَهما}: من مَلَكٍ وإنسيٍّ وجنيٍّ وحيوانٍ وجمادٍ ونباتٍ، {وما تحتَ الثَّرى}؛ أي: الأرض؛ فالجميع مُلكٌ لله تعالى، عبيدٌ مدبَّرون مسخَّرون تحت قضائه وتدبيره، ليس لهم من المُلك شيء، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

الآية 7:{وإن تَجۡهَرۡ بالقول فإنَّه يعلم السرَّ}: الكلام الخفي، {وأخفى}: من السرِّ، الذي في القلب ولم يُنطقْ به، أو السِّر ما خطر على القلب، وأخفى ما لم يخطُر؛ يعلم تعالى أنه يخطُرُ في وقته وعلى صفته. المعنى أنَّ علمه تعالى محيطٌ بجميع الأشياء؛ دقيقِها وجليها؛ خفيِّها وظاهرها؛ فسواء جهرتَ بقولك أو أسررتَه؛ فالكلُّ سواء بالنسبة لعلمه تعالى.

الآية 8: فلما قرَّر كماله المطلق بعموم خلقه وعموم أمرِهِ ونهيِهِ وعموم رحمتِهِ وسعة عظمتِهِ وعلوِّه على عرشه وعموم ملكِهِ وعموم علمِهِ؛ نَتَجَ من ذلك أنَّه المستحقُّ للعبادة، وأنَّ عبادته هي الحقُّ التي يوجبها الشرع والعقل والفطرة، وعبادة غيره باطلةٌ، فقال:{الله لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقِّ ولا مألوه بالحبِّ والذُّلِّ والخوف والرجاء والمحبَّة والإنابة والدُّعاء إلاَّ هو. {له الأسماء الحسنى}؛ أي: له الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى: من حسنها أنَّها كلَّها أسماءٌ دالةٌ على المدح؛ فليس فيها اسمٌ لا يدلُّ على المدح والحمد، ومن حسنها أنَّها ليست أعلاماً محضةً، وإنما هي أسماءٌ وأوصافٌ، ومن حسنها أنَّها دالَّة على الصفات الكاملة وأنَّ له من كلِّ صفةٍ أكملها وأعمَّها وأجلَّها، ومن حسنها أنَّه أمر العبادَ أن يدعوه بها؛ لأنَّها وسيلةٌ مقربةٌ إليه؛ يحبُّها ويحبُّ من يحبُّها، ويحبُّ من يحفظُها، ويحبُّ من يبحث عن معانيها، ويتعبَّد له بها؛ قال تعالى:{ولله الأسماءُ الحسنى فادۡعوه بها}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

سُورَة طَه [ مَكِّيَّة إلّا آيَتَيْ ١٢٠ و١٢١ فَمَدَنِيَّتانِ وآياتها ١٣٥ أوْ أرْبَعُونَ أوْ اثْنَتانِ نَزَلَتْ بَعْد مَرْيَم ]

﴿طَه﴾ اللَّه أعْلَم بِمُرادِهِ بِذَلِكَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 8

تَفْسِيرُ سُورَةِ طه

هِيَ مَكِّيَّةٌ.

رَوَى إِمَامُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ " التَّوْحِيدِ "، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الحِزَامي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ ذَكْوَان، عَنْ مَوْلَى الحُرقة -يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْقُوبَ -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ قَرَأَ " طه " وَ " يس " قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ قَالُوا: طُوبَى لِأَمَةٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ هَذَا [[في ف: "هذا عليهم".]] وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لِأَلْسُنٍ تَتَكَلَّمُ [[في أ: "تكلم".]] بِهَذَا " [[التوحيد (ص ١٠٩) ورواه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٦٠٧) واللالكائي في شرح السنة برقم (٣٦٨) من طريق إبراهيم بن المنذر به.

قال ابن حبان: "هذا متن موضوع"، وقال ابن عدي: "لم أجد لإبراهيم- أي: ابن مهاجر- حديثا أنكر من هذا؛ لأنه لا يرويه غيره".]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ وَشَيْخُهُ تُكلِّم فِيهِمَا.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنْبَةَ [[في ف: "شيبة".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي: الزُّبَيْرِيَّ -أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: طه: يَا رَجُلُ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جبير، و [عطاء] [[زيادة من ف، أ.]] وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَالْحَسَنِ، وقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ، وَابْنِ أَبْزَى أَنَّهُمْ قَالُوا: "طه" بِمَعْنَى: يَا رَجُلُ.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهَا [[في أ: "أنه".]] كَلِمَةٌ بِالنَّبَطِيَّةِ مَعْنَاهَا: يَا رَجُلُ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ هِيَ مُعَرّبة.

وَأَسْنَدَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ "الشِّفَاءِ" مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن [الْقَاسِمِ] [[زيادة من ف، أ، والشفا.]] عَنِ ابْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى قَامَ عَلَى رِجْلٍ وَرَفَعَ الْأُخْرَى، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿طه﴾ ، يَعْنِي: طَأِ الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ، ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ . ثُمَّ قَالَ: وَلَا خَفَاءَ بِمَا فِي هَذَا مِنَ الْإِكْرَامِ وَحُسْنِ [[في ف: "أو حسن"، وفي أ: "وأحسن".]] الْمُعَامَلَةِ [[الشفا بتعريف حقوق المصطفى (١/٢٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قَالَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِهِ، قَامَ بِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَّا لِيَشْقَى! فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿طه مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ .

فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَهُ الْمُبْطِلُونَ، بَلْ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ فَقَدْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا كَثِيرًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يُرد اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ". [[صحيح البخاري برقم (٧١) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٧) .]] .

وَمَا أَحْسَنَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ سَالِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الطَّالَقَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "يقول اللَّهُ تَعَالَى لِلْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لِقَضَاءِ عِبَادِهِ: إِنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي وَحِكْمَتِي فِيكُمْ [[في ف: "علمي فيكم وحكمتي".]] إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، وَلَا أُبَالِي" [[المعجم الكبير (٢/٨٤) وقال الهيثمي في المجمع (١/١٢٦) : "رجاله موثقون".]] .

إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَثَعْلَبَةُ بْنُ الْحَكَمِ هَذَا [هُوَ اللَّيْثِيُّ] [[زيادة من ف، أ.]] ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي اسْتِيعَابِهِ، وَقَالَ: نَزَلَ الْبَصْرَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَرَوَى عَنْهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ [[الاستيعاب (١/٢٠٤) .]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ : هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ٢٠] وَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحِبَالَ بِصُدُورِهِمْ فِي الصَّلَاةِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ : لَا وَاللَّهِ مَا جَعَلَهُ شَقَاءً، وَلَكِنْ جَعَلَهُ رَحْمَةً وَنُورًا، وَدَلِيلًا إِلَى الْجَنَّةِ.

﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ : إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَبَعَثَ رُسُلَهُ [[في أ: "رسوله".]] .

رَحْمَةً، رَحِمَ بِهَا الْعِبَادَ، لِيَتَذَكَّرَ ذَاكِرٌ، وَيَنْتَفِعَ رَجُلٌ بِمَا سَمِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا﴾ [[في ف: "تنزيل".]] أَيْ: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد [هُوَ] [[زيادة من ف، وفي أ: "يا محمد تنزيل من ربك".]] تَنْزِيلٌ مِنْ [رَبِّكَ] [[زيادة من ف، وفي أ: "يا محمد تنزيل من ربك".]] رَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ، الْقَادِرِ عَلَى مَا يَشَاءُ، الَّذِي خَلَقَ الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى فِي ارْتِفَاعِهَا وَلَطَافَتِهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. أَنَّ سُمْك كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وبُعْد مَا بَيْنَهَا وَالَّتِي [[في أ: "وبين التي".]] تَلِيهَا [مَسِيرَةُ] [[زيادة من ف، أ.]] خَمْسِمِائَةِ عَامٍ [[سنن الترمذي برقم (٣٢٩٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه".]] .

وَقَدْ أَوْرَدَ [[في ف: "روى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثَ الْأَوْعَالِ [[سيأتي حديث الأوعال بطوله عند تفسير الآية: ٧ من سورة غافر.]] مِنْ رِوَايَةِ الْعَبَّاسُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

* *

وَقَوْلُهُ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، بما أغنى عن إعادته أَيْضًا، وَأَنَّ الْمَسْلَكَ الْأَسْلَمَ فِي [[في أ: "من".]] ذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، إِمْرَارُ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْرِيفٍ، وَلَا تَشْبِيهٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَفِي قَبْضَتِهِ، وَتَحْتَ تَصْرِيفِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَحُكْمِهِ، وَهُوَ خَالِقٌ ذَلِكَ وَمَالِكُهُ وَإِلَهُهُ، لَا إِلَهَ سِوَاهُ، وَلَا رَبَّ غَيْرُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَيْ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ.

وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَهُ أَنَّ كَعْبًا سُئِل فَقِيلَ لَهُ: مَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: الْمَاءُ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْمَاءِ؟ قَالَ: الْأَرْضُ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ؟ قَالَ: الْمَاءُ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْمَاءِ؟ قَالَ: الْأَرْضُ، قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ؟ قَالَ: الْمَاءُ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْمَاءِ؟ قَالَ: الْأَرْضُ، قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ؟ قَالَ الْمَاءُ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْمَاءِ؟ قَالَ: الْأَرْضُ، قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ؟ قَالَ: صَخْرَةٌ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ؟ قَالَ: مَلَكٌ. قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْمَلَكِ؟ قَالَ: حُوتٌ مُعَلَّقٌ طَرَفَاهُ بِالْعَرْشِ، قِيلَ: وَمَا تَحْتَ الْحُوتِ؟ قَالَ: الْهَوَاءُ وَالظُّلْمَةُ وَانْقَطَعَ الْعِلْمُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ الله بن أخي بن وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاش، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ دَرَّاج، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْأَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَالْعُلْيَا مِنْهَا عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ، قَدِ الْتَقَى طَرَفَاهُ فِي السَّمَاءِ، وَالْحُوتُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ بِيَدِ الْمَلَكِ، وَالثَّانِيَةُ سِجْنُ [[في أ: "مسجن".]] الرِّيحِ، وَالثَّالِثَةُ فِيهَا حِجَارَةُ جَهَنَّمَ، وَالرَّابِعَةُ فِيهَا كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ، وَالْخَامِسَةُ فِيهَا حَيَّاتُ جَهَنَّمَ وَالسَّادِسَةُ فِيهَا عَقَارِبُ جَهَنَّمَ، وَالسَّابِعَةُ فِيهَا سَقَر، وَفِيهَا إِبْلِيسُ مُصَفّد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُطْلِقَهُ لِمَا يَشَاءُ أَطْلَقُهُ" [[ورواه ابن منده في كتاب التوحيد برقم (٦٣) من طريق حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب بنحوه. ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٥٩٤) من طريق بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أبي الهيثم عن عيسى بن هلال عن عبد الله بن عمرو بمثله، فزاد أبو الهيثم في إسناده. وقال: "صحيح ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي. قلت: "بلى منكر فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود وعند مسلم أنه: ثقة، ودراج وهو كثير المناكير".]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَرَفْعُهُ فِيهِ نَظَرٌ.

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْهَرَوِيُّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ [قَالَ] : [[في ف، أ: "ابن عباس".]] قُلْتُ: ابْنُ الْفَضْلِ الْأَنْصَارِيُّ؟ قَالَ: نَعَمْ، [عَنِ الْقَاسِمِ] [[زيادة من ف.]] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَأَقْبَلْنَا رَاجِعِينَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، فَنَحْنُ مُتَفَرِّقُونَ بَيْنَ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ، مُنْتَشِرِينَ، قَالَ: وَكُنْتُ فِي أَوَّلِ الْعَسْكَرِ: إِذْ عَارَضَنَا رَجُلٌ فَسَلّم ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَمَضَى أَصْحَابِي وَوَقَفْتُ مَعَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد أَقْبَلَ فِي وَسَطِ العَسْكَر عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، مُقَنَّع بِثَوْبِهِ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الشَّمْسِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا السَّائِلُ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ أَتَاكَ. فَقَالَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقُلْتُ: صَاحِبُ البَكْر الْأَحْمَرِ. فَدَنَا مِنْهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهُ، فَكَفَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فقال [[في ف: "قال".]] : أَنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ خِصَالٍ، لَا يَعْلَمُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَلْ عَمَّا شِئْتَ". فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيَنَامُ النَّبِيُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ". قَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مِنْ أَيْنَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ؟ قَالَ [[في أ::فقال".]] مَاءَ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَأَيُّ الْمَاءَيْنِ غَلَبَ عَلَى الْآخَرِ نَزَعَ الْوَلَدُ". فَقَالَ [[في ف، أ: "قال".]] صَدَقْتَ. فَقَالَ: مَا لِلرَّجُلِ مِنَ الْوَلَدِ وَمَا لِلْمَرْأَةِ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "لِلرَّجُلِ الْعِظَامُ وَالْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ، وَلِلْمَرْأَةِ اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالشَّعْرُ [[في ف، أ: "والكبد"]] قَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا تَحْتَ هَذِهِ، يَعْنِي الْأَرْضَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلْقٌ". فَقَالَ: فَمَا تَحْتَهُمْ؟ قَالَ: "أَرْضٌ". قَالَ: فَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ؟ قَالَ "الْمَاءُ" قَالَ: فَمَا تَحْتَ الْمَاءِ؟ قَالَ: "ظُلْمَةٌ". قَالَ: فَمَا تَحْتَ الظُّلْمَةِ؟ قَالَ: "الْهَوَاءُ". قَالَ: فَمَا تَحْتَ الْهَوَاءِ؟ قَالَ: "الثَّرَى". قَالَ: فَمَا تَحْتَ الثَّرَى؟ فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْبُكَاءِ، وَقَالَ: "انْقَطَعَ عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ عِنْدَ عِلْمِ الْخَالِقِ، أَيُّهَا السَّائِلُ، مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". قَالَ: فَقَالَ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ ﷺ [[في ف: "عليه السلام".]] [[ورواه ابن مردوية في تفسيره كما في الدر المنثور (٥/٥٥٢) من حديث جابر رضي الله عنه.]] .

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ، تَفَرَّدَ بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: "لَيْسَ يُسَاوِي شَيْئًا" وَضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لا يعرف.

قُلْتُ: وَقَدْ خَلَطَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي شَيْءٍ، وَحَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ. وَقَدْ يُحْتَمل أَنَّهُ تَعَمَّد ذَلِكَ، أَوْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أَيْ: أَنْزَلَ هذا القرآن الذي خلق [الأرض والسموات العلى، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي] [[زيادة من ف.]] السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦] .

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قَالَ: السِّرُّ مَا أَسَرَّ ابْنُ آدَمَ فِي نَفْسِهِ، ﴿وَأَخْفَى﴾ : مَا أَخْفَى عَلَى ابْنِ آدَمَ مِمَّا هُوَ فَاعِلُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَهُ فَاللَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَعلْمه فِيمَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ وَمَا بَقِيَ عِلْم وَاحِدٌ، وَجَمِيعُ الْخَلَائِقِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لُقْمَانَ: ٢٨] .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قَالَ: السِّرُّ: مَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ، وَأَخْفَى: مَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ بَعْدُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنْتَ تَعْلَمُ مَا تُسِرُّ الْيَوْمَ، وَلَا تَعْلَمُ مَا تُسِرُّ غَدًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّ الْيَوْمَ، وَمَا تُسِرُّ غَدًا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَخْفَى﴾ يَعْنِي: الْوَسْوَسَةَ.

وَقَالَ أَيْضًا هُوَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَأَخْفَى﴾ أَيْ: مَا هُوَ عَامِلُهُ مِمَّا لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [أَيِ: الَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَيْكَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ذو الأسماء الحسنى] [[زيادة من ف.]] والصفات العلى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 3

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) ﴾

قال أبو جعفر محمد بن جرير: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿طَهَ﴾ فقال بعضهم: معناه يا رجل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: طه: بالنبطية: يا رجل.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿طه مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ فإن قومه قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله تعالى ذكره ﴿طَهَ﴾ يعني: يا رجل ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ .

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن مسلم، أو يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير أنه قال: طه: يا رجل بالسريانية.

قال ابن جريج: وأخبرني زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، بذلك أيضا. قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد، ذلك أيضا.

⁕ حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عمارة عن عكرمة، في قوله ﴿طَهَ﴾ قال: يا رجل، كلمه بالنبطية.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الله، عن عكرمة، في قوله ﴿طَهَ﴾ قال: بالنبطية: يا إنسان.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، عن الضحاك، في قوله ﴿طَهَ﴾ قال: يا رجل بالنبطية.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حُصين، عن عكرمة في قوله ﴿طَهَ﴾ قال: يا رجل.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿طَهَ﴾ قال: يا رجل، وهي بالسريانية.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله ﴿طَهَ﴾ قالا يا رجل.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، يعني ابن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿طَهَ﴾ قال: يا رجل.

وقال آخرون: هو اسم من أسماء الله، وقسم أقسم الله به.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿طَهَ﴾ قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله.

وقال آخرون: هو حروف هجاء.

وقال آخرون: هو حروف مقطعة يدلّ كلّ حرف منها على معنى، واختلفوا في ذلك اختلافهم في الم.

وقد ذكرنا ذلك في مواضعه، وبيَّنا ذلك بشواهده.

والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناه: يا رجل، لأنها كلمة معروفة في عكَّ فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل، أنشدت لمتمم بن نويرة:

هَتَفْتُ بِطَهَ فِي القِتالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكونَ مُوَائِلا [[البيت لمتمم بن نويرة كما قال المؤلف. وفيه (اللسان: طهطه) : الليث في تفسير (طه) مجزومة أنها بالحبشية: يا رجل، قال: ومن قرأ (طه) فحرفان. وبلغنا أن موسى لما سمع كلام الرب عز وجل استفزه الخوف، حتى قام على أصابع قدميه خوفا، فقال الله عز وجل: (طه) أي اطمئن. الفراء: (طه) حرف هجاء. قال: وجاء في التفسير (طه) يا رجل: يا إنسان. قال: وحدث قيس عن عاصم عن زر، قال: قرأ رجل على ابن مسعود (طه فقال له عبد الله: (طه) بكسرتين، فقال الرجل: أليس إنما أمر أن يطأ قدمه، فقال له عبد الله: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ. قال الفراء: وكان بعض القراء يقطعها (ط. هـ) وروى الأزهري عن أبي حاتم قال: (طه) : افتتاح سورة، ثم استقبل الكلام فخاطب النبي ﷺ، فقال: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. وقال قتادة: (طه) بالسريانية: يا رجل. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هي بالنبطية: يا رجل، وروي ذلك عن ابن عباس. أه. (اللسان) .]]

وقال آخر:

إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ مِنْ خَلائِقكُمْ ... لا بارَكَ اللهُ فِي القَوْمِ المَلاعِينِ [[هذا الشاهد كالذي قبله، على أن معنى (طه) في كلام العرب: يا رجل ولم أقف على قائل البيت.]]

فإذا كان ذلك معروفا فيهم على ما ذكرنا، فالواجب أن يوجه تأويله إلى المعروف فيهم من معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويل أهل العلم من الصحابة والتابعين.

فتأويل الكلام إذن: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، ما أنزلناه عليك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل، وذُكِر أنه قيل له ذلك بسبب ما كان يلقى من النَّصب والعناء والسهر في قيام الليل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال: هي مثل قوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فكانوا يعلقون الحبال في صدورهم في الصلاة.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال: في الصلاة كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لا والله ما جعله الله شقيا، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة.

* *

وقوله ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾

يقول تعالى ذكره: ما أنزلنا عليك هذا القرآن إلا تذكرة لمن يخشى عقاب الله، فيتقيه بأداء فرائض ربه واجتناب محارمه.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه، فقال ﴿تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا﴾ .

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ قال: الذي أنزلناه عليك تذكرة لمن يخشى.

فمعنى الكلام إذن: يا رجل ما أنزلنا عليك هذا القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.

وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب تذكرة، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قال: إلا تذكرة بدلا من قوله لتشقى، فجعله: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، وكان بعض نحويي الكوفة يقول: نصبت على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة، وكان بعضهم ينكر قول القائل: نصبت بدلا من قوله ﴿لِتَشْقَى﴾ ويقول: ذلك غير جائز، لأن ﴿لِتَشْقَى﴾ في الجحد، و ﴿إِلا تَذْكِرَةً﴾ في التحقيق، ولكنه تكرير، وكان بعضهم يقول: معنى الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى، لا لتشقى.