سورة طه، الآية 13
الجزء 16، الصفحة 313.
وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ﴿١٣﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة طه
تفسير الآية
التفسير الميسر
وإني اخترتك يا موسى لرسالتي، فاستمع لما يوحى إليك مني.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 9 إلى 15
{9 ـ 10} يقول تعالى لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - على وجه الاستفهام التقريريِّ والتعظيم لهذه القصَّة والتفخيم لها:{هل أتاك حديثُ موسى}: في حاله التي هي مبدأ سعادته ومنشأ نبوَّته؛ أنَّه رأى ناراً من بعيد، وكان قد ضلَّ الطريق، وأصابه البردُ، ولم يكنْ عنده ما يتدفَّأ به في سفره. فقال لأهلِهِ:{إني آنستُ}؛ أي: أبصرتُ {ناراً}: وكان ذلك في جانب الطور الأيمن. {لعلِّي آتيكُم منها بقَبَسٍ}: تصطلون به، {أو أجِدُ على النار هُدى}؛ أي: من يهديني الطريق. وكان مطلبُهُ النور الحسي والهداية الحسيَّة، فوجَدَ ثَمَّ النورَ المعنويَّ؛ نور الوحي الذي تستنير به الأرواح والقلوب، والهداية الحقيقيَّة؛ هداية الصراط المستقيم الموصلة إلى جنَّات النعيم، فحصل له أمرٌ لم يكنْ في حسابِهِ ولا خَطَر بباله.
الآية 11:{فلمَّا أتاها}؛ أي: النار التي آنسها من بعيدٍ، وكانت في الحقيقة نوراً، وهي نارٌ تحرق وتشرق، ويدلُّ على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «حجابُهُ النورُ أو النارُ، لو كَشَفَهُ؛ لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره ». فلما وصل إليها؛ نودِيَ منها؛ أي: ناداه الله؛ كما قال:{وناديناه من جانب الطور الأيمن وقرَّبۡناه نَجِيًّا}.
الآية 12:{إني أنا ربُّك فاخۡلَعۡ نعلَيۡكَ إنَّك بالواد المقدَّس طُوىً}: أخبره أنَّه ربُّه، وأمره أن يستعدَّ ويتهيَّأ لمناجاته ويهتمَّ لذلك، ويُلْقيَ نعليه، لأنَّه بالوادي المقدَّس المطهَّر المعظَّم، ولو لم يكن من تقديسِهِ إلاَّ أنَّه اختاره لمناجاتِهِ كليمَه موسى؛ لكفى. وقد قال كثيرٌ من المفسِّرين: إنَّ الله أمره أن يُلْقِيَ نعليه لأنهما من جلد حمارٍ ؛ فالله أعلم بذلك.
الآية 13:{وأنا اخترتُك}؛ أي: تخيَّرْتك واصطفيتُك من الناس، وهذه أكبر نعمةٍ ومنَّة أنعم الّله بها عليه تقتضي من الشُّكر ما يَليق بها، ولهذا قال:{فاستمعۡ لما يُوحى}؛ أي: ألق سمعك للذي أوحي إليك؛ فإنَّه حقيقٌ بذلك؛ لأنَّه أصل الدين ومبدؤه وعماد الدعوة الإسلامية.
الآية 14: ثم بيَّن الذي يوحيه إليه بقوله: {إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا}؛ أي: الله المستحقُّ الألوهيَّة المتَّصف بها؛ لأنه الكامل في أسمائه وصفاته، المنفرد بأفعاله، الذي لا شريكَ له ولا مثيلَ ولا كفو ولا سَمِيَّ. {فاعۡبُدۡني}: بجميع أنواع العبادة ظاهرها وباطنها أصولها وفروعها. ثم خصَّ الصَّلاة بالذِّكر، وإن كانت داخلةً في العبادة؛ لفضلها وشرفها وتضمُّنها عبوديَّة القلب واللسان والجوارح. وقوله:{لِذِكۡري}: اللام للتعليل؛ أي: أقم الصلاة لأجل ذكرِكَ إيَّاي؛ لأن ذكره تعالى أجلُّ المقاصد، وبه عبوديَّة القلب، وبه سعادته؛ فالقلبُ المعطَّل عن ذكر الله معطَّلٌ عن كلِّ خير وقد خَرِبَ كلَّ الخراب، فشرع الله للعباد أنواعَ العباداتِ التي المقصود منها إقامةُ ذكرِهِ، وخصوصاً الصلاة؛ قال تعالى:{اتلُ ما أوحِيَ إليكَ من الكتاب وأقم الصَّلاةَ إنَّ الصلاةَ تَنۡهى عن الفحشاءِ والمنكرِ وَلَذِكۡرُ اللهِ أكبرُ}؛ أي: ما فيها من ذكر الله أكبرُ من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وهذا النوع يقال له: توحيدُ الإلهيَّة وتوحيدُ العبادة؛ فالألوهيَّة وصفُه تعالى، والعبوديَّة وصفُ عبده.
الآية 15:{إنَّ الساعة آتيةٌ}؛ أي: لا بدَّ من وقوعها، {أكاد أخفيها}؛ أي: عن نفسي؛ كما في بعض القراءَات؛ كقوله تعالى:{يسألونك عن الساعةِ قلۡ إنَّما علمُها عند الله}، وقال:{وعنده علمُ الساعةِ}؛ فعلمُها قد أخفاه عن الخلائق كلِّهم؛ فلا يعلمها مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل، والحكمة في إتيان الساعة:{لِتُجۡزى كلُّ نفس بما تَسۡعى}: من الخير والشرِّ؛ فهي الباب لدار الجزاء، {ليَجزيَ الذين أساؤوا بما عَمِلوا ويَجۡزيَ الذين أحسَنوا بالحُسۡنى}.
تفسير الجلالين
﴿وأَنا اخْتَرْتُك﴾ مِن قَوْمك ﴿فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ إلَيْك مِنِّي
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 11 إلى 16
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ أَيِ: النَّارَ وَاقْتَرَبَ [[في ف: "وقرب"، وفي أ: "وأقرب".]] مِنْهَا، ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [الْقَصَصِ: ٣٠] وَقَالَ هَاهُنَا ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أَيِ: الَّذِي يُكَلِّمُكَ وَيُخَاطِبُكَ، ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَمَا يُؤْمَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ [[في ف، أ: "أراد دخول".]] الْكَعْبَةَ.
وَقِيلَ: لِيَطَأَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ بِقَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ مُنْتَعِلٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿طُوًى﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ اسْمٌ لِلْوَادِي.
وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَطْفَ بَيَانٍ.
وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ قُدّس مَرَّتَيْنِ، وَطَوَى لَهُ الْبَرَكَةَ وَكُرِّرَتْ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، كَقَوْلِهِ [[في ف: "لقوله".]] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٤] أَيْ: عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ مِنَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانِهِ.
و [قَدْ] [[زيادة من ف، أ.]] قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: يَا مُوسَى، أَتَدْرِي لِمَ خَصَصْتُكَ بِالتَّكْلِيمِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ؟ [قَالَ: لَا. قَالَ:] [[زيادة من ف، أ.]] لِأَنِّي لَمْ يَتَوَاضَعْ لِي أَحَدٌ تَوَاضُعَكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أَيِ: اسْمَعِ الْآنَ مَا أَقُولُ لَكَ وَأُوحِيهِ إِلَيْكَ
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ هَذَا أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ أَيْ: وَحِّدْنِي وَقُم بِعِبَادَتِي مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: صَلِّ لِتَذْكُرَنِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ عِنْدَ ذِكْرِكَ لِي.
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الثَّانِي مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "إِذَا رَقَد أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [[المسند (٣/١٨٤) .]] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ" [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨٤) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أَيْ: قَائِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَكَائِنَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: "أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي"، يَقُولُ: لِأَنَّهَا لَا تَخْفَى مِنْ نَفْسِ اللَّهِ أَبَدًا.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ نَفْسِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ رَافِعٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ يَقُولُ: لَا أُطْلِعُ عَلَيْهَا أَحَدًا غَيْرِي.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أهل السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا قَدْ أَخْفَى اللَّهُ عَنْهُ عِلْمَ السَّاعَةِ، وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إِنِّي أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي"، يَقُولُ: كَتَمْتُهَا عَنِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَكْتُمَهَا مِنْ نَفْسِي لَفَعَلْتُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي، وَلَعَمْرِي لقد أخفاها الله من الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٥] وَقَالَ: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٨٧] أَيْ: ثَقُلَ عِلْمُهَا عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا مِنْجَاب، حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلة، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ وِقَاء قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (أَكَادُ أَخْفيها) ، يَعْنِي: بِنَصْبِ [[في أ: "ونصب".]] الْأَلْفِ وَخَفْضِ الْفَاءِ، يَقُولُ: أُظْهِرُهَا، ثُمَّ [قَالَ] [[زيادة من ف.]] أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ [[هو كعب بن زهير، والبيت في ديوانه (ص١٧٤) أ. هـ مستفادا من حاشية الشعب.]] .
دَأبَ شَهْرَين، ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ... بأريكَين يَخْفيان غَميرًا ...
وَقَالَ الْأَسَدِيُّ: الْغَمِيرُ: نَبْتٌ رَطْبٌ، يَنْبُتُ فِي خِلَالِ يَبَسٍ. وَالْأَرِيكِينُ: مَوْضِعٌ، وَالدَّمِيكُ: الشَّهْرُ التَّامُّ. وَهَذَا الشِّعْرُ لِكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ.
* *
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أَيْ: أُقِيمُهَا لَا مَحَالَةَ، لِأَجْزِيَ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] وَ ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطُّورِ: ١٦] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ الْمُرَادُ بِهَذَا الْخِطَابِ آحَادُ الْمُكَلَّفِينَ، أَيْ: لَا تَتَّبِعُوا [سَبِيلَ] [[زيادة من ف، أ.]] مَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَلَاذِّهِ فِي دُنْيَاهُ، وَعَصَى مَوْلَاهُ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ﴿فَتَرْدَى﴾ أَيْ: تَهْلَكُ وَتَعْطَبُ [[في ف، أ: "وتردى أي هلك وعطب" وفي أ: "ردى".]] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [اللَّيْلِ: ١١] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 13 إلى 14
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القرّاء الذين قرءوا "وأنَّا" بتشديد النون، و ﴿أنا﴾ بفتح الألف من "أنا" ردّا على: نودي يا موسى، كأن معنى الكلام عندهم: نودي يا موسى إني أنا ربك، وأنا اخترتك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة. وأما عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرءوه: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قرّاء أهل العلم بالقرآن، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وتأويل الكلام: نودي أنَّا اخترناك. فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ يقول: فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إلَهَ إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي ﴿فاعْبُدْنِي﴾ يقول: فأخلص العبادة لي دون كلّ ما عبد من دوني ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ .
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: أقم الصلاة لي فإنك إذا أقمتها ذكرتني.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قال: إذا صلى ذكر ربه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قال: إذا ذكر عَبد ربه.
قال آخرون: بل معنى ذلك: وأقم الصلاة حين تذكرها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم في قوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قال: يصليها حين يذكرها.
⁕ حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس ومالك بن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذَا ذَكَرَها، قال الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ". وكان الزهري يقرؤها: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ بمنزلة فعلى.
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرني فيها، لأن ذلك أظهر معنييه، ولو كان معناه: حين تذكرها، لكان التنزيل: أقم الصلاة لذكركها. وفي قوله: ﴿لِذِكْرِي﴾ دلالة بينة على صحة ما قال مجاهد في تأويل ذلك، ولو كانت القراءة التي ذكرناها عن الزهري قراءة مستفيضة في قراءة الأمصار، كان صحيحا تأويل من تأوّله بمعنى: أقم الصلاة حين تذكرها، وذلك أن الزهري وجَّه بقراءته ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ بالألف لا بالإضافة، إلى أقم لذكراها، لأن الهاء والألف حذفتا، وهما مرادتان في الكلام ليوفق بينها وبين سائر رءوس الآيات، إذ كانت بالألف والفتح. ولو قال قائل في قراءة الزهري هذه التي ذكرنا عنه، إنما قصد الزهري بفتحها تصييره الإضافة ألفا للتوفيق بينه وبين رءوس الآيات قبله وبعده، لأنه خالف بقراءته ذلك كذلك من قرأه بالإضافة، وقال: إنما ذلك كقول الشاعر:
أُطَوّفُ ما أُطَوّفُ ثُمَّ آوي ... إلى [[في الأصل: إذ، ولعله تحريف عن " إلى ".]] أمَّا وَيُرْوِيني النَّقِيعُ [[البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصور الجامعة ص ١٩٦) قال: والعرب تقول: بيتًا وأما، يريدون: بأبي وأمي ومثله (يا ويلتا أعجزت) وإن شئت جعلتها يا إضافة، وإن شئت يا ندبة. أه. والنقيع والنقيعة: المحض من اللبن يبرد، قال ابن بري: شاده قول الشاعر: ". . ويكفين النقيع ".]]
وهو يريد: إلى أمي، وكقول العرب: يا أبا وأما، وهي تريد: يا أبي وأمي، كان له بذلك مقال.