سورة طه، الآية 63
الجزء 16، الصفحة 315.
قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴿٦٣﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة طه
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 62 إلى 64
فتجاذب السحرة أمرهم بينهم وتحادثوا سرًّا، قالوا: إنْ موسى وهارون لساحران يريدان أن يخرجاكم من بلادكم بسحرهما، ويذهبا بطريقة السحر العظيمة التي أنتم عليها، فأحكموا كيدكم، واعزموا عليه من غير اختلاف بينكم، ثم ائتوا صفًّا واحدًا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتَبْهَروا الأبصار، وتغلبوا سحر موسى وأخيه، وقد ظفر بحاجته اليوم مَن علا على صاحبه، فغلبه وقهره.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 56 إلى 73
الآية 56: يخبر تعالى أنَّه أرى فرعون من الآياتِ والعِبَرِ والقواطع جميعَ أنواعها العيانيَّة والأفقيَّة والنفسيَّة؛ فما استقام ولا ارعوى، وإنَّما كذَّب وتولَّى؛ كذب الخبر وتولَّى عن الأمر والنهي، وجعل الحقَّ باطلاً والباطل حقًّا، وجادل بالباطل ليضلَّ الناس.
الآية 57: فقال: {أجئتَنا لِتُخۡرِجَنا من أرضنا بسحرِك}: زعم أنَّ هذه الآيات التي أراه إيَّاها موسى سحرٌ وتمويهٌ، المقصود منها إخراجُهم من أرضهم والاستيلاءُ عليها؛ ليكون كلامه مؤثراً في قلوب قومه؛ فإنَّ الطِّباع تميل إلى أوطانها، ويصعُبُ عليها الخروج منها ومفارقتها، فأخبرهم أنَّ موسى هذا قصده؛ ليبغِضوه ويسعَوْا في محاربته.
الآية 58:{فلنأتينَّك بسحرٍ}: مثل سحرك، فأمهِلْنا واجعلْ لنا {موعداً لا نخلِفُه نحن ولا أنت مكاناً سُوى}؛ أي: مستوٍ علمنا وعلمك به، أو مكاناً مستوياً معتدلاً لنتمكَّن من رؤية ما فيه.
الآية 59: فقال موسى: {موعدُكم يوم الزينةِ}: وهو عيدُهم الذي يتفرَّغون فيه ويقطعون شواغلهم، {وأن يُحۡشَرَ الناس ضُحىً}؛ أي: يُجمعون كلهم في وقت الضُّحى. وإنَّما سأل موسى ذلك لأنَّ يوم الزينة ووقت الضحى منه يحصُلُ منه كثرة الاجتماع ورؤية الأشياء على حقائقها ما لا يحصُل في غيره.
الآية 60:{فتولَّى فرعونُ فجمع كيدَه}؛ أي: جميع ما يقدرُ عليه مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشُرُ السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك متوفراً، وعلمه مرغوباً فيه، فجمع خلقاً كثيراً من السحرة، ثم أتى كلٌّ منهما للموعد، واجتمع الناس للموعدِ، فكان الجمعُ حافلاً، حضره الرجال والنساء والملأ والأشراف والعوامُّ والصغار والكبار، وحضُّوا الناس على الاجتماع، وقالوا {للناس هل أنتم مجتمعون لعلَّنا نتَّبع السحرةَ إن كانوا هم الغالبين}.
الآية 61: فحين اجتمعوا من جميع البلدان؛ وَعَظَهم موسى عليه السلام، وأقام عليهم الحجَّة، وقال لهم:{ويلَكم لا تَفۡتَروا على الله كَذِباً فيُسۡحِتَكم بعذابٍ}؛ أي: لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل بسحركم، وتغالبون الحقَّ، وتفترون على الله الكذبَ، فيستأصِلُكم بعذابٍ من عنده، ويخيب سعيُكم وافتراؤكم؛ فلا تدركون ما تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملئه، ولا تسلموا من عذاب الله.
الآية 62: وكلام الحقِّ لا بدَّ أن يؤثِّر في القلوب، لا جرم ارتفع الخصامُ والنزاع بين السحرة لمَّا سمعوا كلام موسى وارتبكوا، ولعلَّ من جملة نزاعهم الاشتباه في موسى هل هو على الحقِّ أم لا؟ ولكنهم إلى الآن ما تمَّ أمرهم؛ ليقضي الله أمراً كان مفعولاً؛ ليهلِكَ من هَلَكَ عن بينةٍ ويحيا من حَيَّ عن بينةٍ؛ فحينئذ أسرّوا فيما بينهم النجوى، وأنَّهم يتَّفقون على مقالةٍ واحدةٍ؛ لينجحوا في مقالهم وفعالهم، وليتمسَّك الناس بدينهم.
الآية 63: والنجوى التي أسرُّوها فسَّرها بقوله: {قالوا إنۡ هذانِ لساحرانِ يُريدان أن يخرِجاكم من أرضِكم بسحرِهما}؛ كمقالة فرعون السابقة؛ فإمَّا أن يكونَ ذلك توافقاً من فرعون والسحرة على هذه المقالة من غير قصدٍ، وإما أن يكون تلقيناً منه لهم مقالته التي صمَّم عليها وأظهرها للناس، وزادوا على قول فرعون أن قالوا:{ويَذۡهَبا بطريقتِكُم المُثلى}؛ أي: طريقة السحر؛ حسدكم عليها، وأراد أن يظهر عليكم؛ ليكون له الفخرُ والصيتُ والشهرةُ، ويكون هو المقصودُ بهذا العلم الذي شغلتُم زمانَكم فيه ويذهب عنكم ما كنتُم تأكلون بسببه، وما يتبع ذلك من الرياسة.
الآية 64: وهذا حضٌّ من بعضهم على بعض على الاجتهاد في مغالبته، ولهذا قالوا:{فأجۡمِعوا كيدَكم}؛ أي: أظهروه دفعةً واحدةً متظاهرين متساعدين فيه متناصرين متفقاً رأيُكم وكلمتُكم، {ثم ائۡتوا صفًّا}: ليكونَ أمكنَ لعملكم وأهيبَ لكم في القلوب، ولئلاَّ يتركَ بعضُكم بعضَ مقدورِهِ من العمل، واعلموا أنَّ مَنْ أفلح اليوم ونجح وغلب غيره؛ فإنَّه المفلح الفائز؛ فهذا يومٌ له ما بعده من الأيام؛ فما أصلبهم في باطلهم وأشدَّهم فيه! حيث أتوا بكل سببٍ ووسيلةٍ وممكنٍ ومكيدةٍ يكيدون بها الحقَّ.
الآية 65: ويأبى الله إلاَّ أن يُتِمَّ نورَه ويظهِرَ الحقَّ على الباطل، فلما تمَّتْ مكيدتُهم وانحصر قصدُهم ولم يبقَ إلاَّ العمل؛ {قالوا} لموسى: {إمَّا أن تلقي}: عصاك، {وإمَّا أن نكونَ أولَ من ألقى}: خيَّروه موهمين أنَّهم على جزم من ظهورهم عليه بأيِّ حالة كانت.
الآية 66: فقال لهم موسى: {بلۡ ألقوا}: فألْقَوْا حبالهم وعصيهم؛ {فإذا حبالُهم وعصيُّهم يُخَيَّلُ إليه}؛ أي: إلى موسى {من سحرِهم}: البليغ، {أنَّها تسعى}: [أنها حيات تسعى].
الآية 67: فلما خُيِّل إلى موسى ذلك؛ أوجس في نفسِهِ خيفةً كما هو مقتضى الطبيعة البشريَّة، وإلاَّ؛ فهو جازمٌ بوعد الله ونصره.
الآية 68:{قلنا له}: تثبيتاً وتطميناً: {لا تخفۡ إنَّك أنت الأعلى}: عليهم؛ أي: ستعلو عليهم، وتقهرهم، ويذلُّوا لك، ويخضعوا.
الآية 69:{وألقِ ما في يمينِك}؛ أي: عصاك؛ {تَلۡقَفۡ ما صنعوا إنَّما صنعوا كيدُ ساحرٍ ولا يفلِحُ الساحر حيث أتى}؛ أي: كيدهم ومكرهم ليس بمثمرٍ لهم ولا ناجح؛ فإنَّه من كيد السحرة الذين يموِّهون على الناس ويُلَبِّسون الباطل ويخيِّلون أنهم على الحقِّ.
الآية 70: فألقى موسى عصاه، فتلقَّفت ما صنعوا كلَّه وأكلتْه، والناسُ ينظُرون لذلك الصنيع، فعَلِمَ السحرةُ علماً يقيناً أنَّ هذا ليس بسحر، وأنَّه من الله، فبادروا للإيمان، {فأُلۡقي السحرةُ} ساجدينَ، {قالوا آمنَّا بربِّ العالمين ربِّ موسى وهارون}، فوقع الحقُّ وظهر وسطع، وبطل السحر والمكر والكيدُ في ذلك المجمع العظيم، فصارتْ بيِّنة ورحمةً للمؤمنين وحجَّة على المعاندين.
الآية 71: فقال فرعون للسحرة: {آمنتُم له قبلَ أن آذَنَ لكم}؛ أي: كيف أقدمتُم على الإيمان من دون مراجعة منِّي ولا إذن، استغرب ذلك منهم لأدبهم معه وذلِّهم وانقيادهم له في كلِّ أمر من أمورهم، وجعل هذا من ذاك، ثم استلجَّ فرعونُ في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان، واستخفَّ بقوله قومَهُ، وأظهر لهم أنَّ هذه الغلبة من موسى للسحرة ليس لأنَّ الذي معه الحقُّ، بل لأنَّه تمالأ هو والسحرة ومكروا ودبَّروا أن يخرجوا فرعونَ وقومَه من بلادهم، فقبل قومُه هذا المكرَ منه، وظنُّوه صدقاً، {فاستخفَّ قومَه فأطاعوه إنَّهم كانوا قوماً فاسقين}؛ مع أنَّ هذه المقالة التي قالها لا تدخُلُ عقلَ من له أدنى مُسْكة من عقل ومعرفةٍ بالواقع؛ فإنَّ موسى أتى من مَدْيَنَ وحيداً، وحين أتى؛ لم يجتمع بأحدٍ من السحرة ولا غيرهم، بل بادَرَ إلى دعوة فرعون وقومه، وأراهم الآيات، فأراد فرعونُ أن يعارِضَ ما جاء به موسى، فسعى ما أمكنه، وأرسل في مدائنه من يجمعُ له كلَّ ساحر عليم، فجاؤوا إليه، ووعدهم الأجر والمنزلة عند الغلبة، وهم حرصوا غاية الحرص وكادوا أشدَّ الكيد على غلبتهم لموسى، وكان منهم ما كان؛ فهل يمكن أو يُتَصَوَّر مع هذا أن يكونوا دبَّروا هم وموسى واتَّفقوا على ما صدر؟! هذا من أمحل المحال. ثم توعَّد فرعونُ السحرة فقال: لأقَطِّعَنَّ {أيدِيَكم وأرجُلَكم من خلافٍ}: كما يفعل بالمحاربِ الساعي بالفساد؛ يَقْطَعُ يده اليمنى ورجله اليسرى. {ولأصَلِّبَنَّكُم في جذوع النخل}؛ أي: لأجل أن تشتهروا وتختزوا. {وَلَتَعۡلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى}؛ يعني: بزعمه هو وأمته وأنَّه أشدُّ عذاباً من الله وأبقى؛ قلباً للحقائق، وترهيباً لمن لا عقل له.
الآية 72: ولهذا؛ لما عَرَفَ السحرةُ الحقَّ ورزقَهم الله من العقل ما يدرِكون به الحقائق؛ أجابوه بقولهم:{لَن نُؤۡثِرَكَ على ما جاءَنا من البيِّناتِ}[أي لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر والتقريب على ما أرانا اللَّه من الآيات البينات]: الدالاَّتِ على أنَّ الله هو الربُّ المعبود وحدَه، المعظَّم المبجَّل وحده، وأنَّ ما سواه باطلٌ، ونؤثِرَكَ على الذي فَطَرنا وخَلَقنا، هذا لا يكونُ. {فاقضِ ما أنت قاضٍ}: مما أوْعَدْتنا به من القطع والصلب والعذاب، {إنَّما تقضي هذه الحياةَ الدُّنيا}؛ أي: إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدُّنيا ينقضي ويزولُ ولا يضرُّنا؛ بخلافِ عذاب الله لمن استمرَّ على كفرِهِ؛ فإنَّه دائمٌ عظيمٌ. وهذا كأنَّه جوابٌ منهم لقوله:{وَلَتَعۡلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى}. وفي هذا الكلام من السَّحرة دليلٌ على أنَّه ينبغي للعاقل أن يوازنَ بين لَذَّات الدُّنيا ولذَّات الآخرة وبين عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرة.
الآية 73:{إنَّا آمنَّا بِرَبِّنا لِيَغۡفِرَ لنا خَطايانا}؛ أي: كُفْرَنا ومعاصينا؛ فإنَّ الإيمان مكفِّر للسيئاتِ، والتوبة تجبُّ ما قبلها. وقولهم:{وما أكۡرَهۡتَنا عليه من السحر}: الذي عارَضْنا به الحقَّ. هذا دليلٌ على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدِّم، وإنما [أكرههم] فرعونُ إكراهاً. والظاهر ـ والله أعلم ـ أنَّ موسى لما وعظهم ـ كما تقدَّم في قوله:{ويلَكُم لا تَفۡتروا على اللهِ كَذِباً فَيُسۡحِتَكُم بعذابٍ} أثَّر معهم ووقع منهم موقعاً كبيراً، ولهذا تنازعوا بعد هذا الكلام والموعظة. ثمَّ إنَّ فرعونَ ألزمهم ذلك وأكرهَهَم على المكرِ الذي أجْرَوْه، ولهذا تكلَّموا بكلامه السابق قبل إتيانهم؛ حيث قالوا:{إنۡ هذانِ لَساحِرانِ يُريدانِ أن يخرِجاكم من أرضِكُم بسِحۡرِهما}، فَجَرَوا على ما سنَّه لهم وأكرههم عليه. ولعلَّ هذه النكتة التي قامت بقلوبهم من كراهتهم لمعارضة الحقِّ بالباطل، وفعلهم ما فعلوا على وجه الإغماضِ هي التي أثَّرت معهم ورحمهم الله بسببها، ووفَّقهم للإيمان والتوبة. {والله خيرٌ}: مما أوعدتنا من الأجر والمنزلة والجاه، {وأبقى}: ثواباً وإحساناً، لا ما يقول فرعون:{ولَتَعۡلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى}؛ يريد أنه أشد عذاباً وأبقى. وجميع ما أتى من قَصَص موسى مع فرعون يَذْكُرُ الله فيه إذا أتى على قصة السحرة أن فرعون توعدهم بالقطع والصلب ولم يذكر أنَّه فعل ذلك، ولم يأتِ في ذلك حديثٌ صحيح، والجزم بوقوعه أو عدمِهِ يتوقَّف على الدليل. والله أعلم بذلك وغيره، [ولكن توعده إياهم بذلك مع اقتداره، دليل على وقوعه، ولأنه لو لم يقع لذكره اللَّه، ولاتفاق الناقلين على ذلك].
تفسير الجلالين
﴿قالُوا﴾ لِأَنْفُسِهِمْ ﴿إنْ هَذانِ﴾ وهُوَ مُوافِق لِلُغَةِ مَن يَأْتِي فِي المُثَنّى بِالأَلِفِ فِي أحْواله الثَّلاث ولِأَبِي عَمْرو: هَذَيْنِ ﴿لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكُمْ مِن أرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمْ المُثْلى﴾ مُؤَنَّث أمْثَل بِمَعْنى أشْرَف أيْ بِأَشْرافِكُمْ بِمَيْلِهِمْ إلَيْهِما لِغَلَبَتِهِما
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 60 إلى 64
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ لَمَّا تَوَاعَدَ هُوَ بِمُوسَى [[في أ: "تواعد هو وموسى".]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى وَقْتٍ وَمَكَانٍ مَعْلُومَيْنِ، تَوَلَّى، أَيْ: شَرَعَ فِي جَمْعِ السَّحَرَةِ مِنْ مَدَائِنِ مَمْلَكَتِهِ، كُلِّ مَنْ يُنْسَبُ [[في أ: "كل من يسب".]] إِلَى سِحْرٍ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَقَدْ كَانَ السِّحْرُ فِيهِمْ كَثِيرًا نَافِقًا جِدًّا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: ٧٩] .
﴿ثُمَّ أَتَى﴾ أَيِ: اجْتَمَعَ النَّاسُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَجَلَسَ فِرْعَوْنُ عَلَى سَرِيرِ مَمْلَكَتِهِ، وَاصْطَفَّ لَهُ أَكَابِرُ دَوْلَتِهِ، وَوَقَفَتْ الرَّعَايَا يُمْنَةً وَيُسْرَةً وَأَقْبَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ، وَوَقَفَ السَّحَرَةُ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ صُفُوفًا، وَهُوَ يُحَرِّضُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِي إِجَادَةِ عَمَلِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيَتَمَنَّوْنَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، فَيَقُولُونَ: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ [[في ف: "إنكم".]] إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٤١، ٤٢] . ﴿قَالَ [[في أ: "فقال".]] لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أَيْ: لَا تُخَيّلُوا لِلنَّاسِ بِأَعْمَالِكُمْ إِيجَادَ أَشْيَاءَ لَا حَقَائِقَ لَهَا، وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وليست مخلوقة، فتكونون قَدْ كَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ أَيْ: يُهْلِكُكُمْ بِعُقُوبَةٍ هَلَاكًا لَا بَقِيَّةَ لَهُ، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ تَشَاجَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَقَائِلٌ يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِكَلَامِ سَاحِرٍ، إِنَّمَا هَذَا كَلَامُ نَبِيٍّ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: بَلْ هُوَ سَاحِرٌ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أَيْ: تَنَاجَوْا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ هَذِهِ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، جَاءَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى إِعْرَابِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ: "إنْ هَذَينِ لَسَاحِرَانِ" وَهَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَقَدْ تَوَسَّعَ النُّحَاةُ فِي الْجَوَابِ عَنِ الْقِرَاءَةِ الْأَوْلَى بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ.
وَالْغَرَضُ أَنَّ السَّحَرَةَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: تَعْلَمُونَ [[في ف أ: "يعلمون".]] أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَأَخَاهُ -يَعْنُونُ: مُوسَى وَهَارُونَ-سَاحِرَانِ عَالِمَانِ خَبِيرَانِ بِصِنَاعَةِ السِّحْرِ، يُرِيدَانِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنْ يَغْلِبَاكُمْ وَقَوْمَكُمْ وَيَسْتَوْلِيَا عَلَى النَّاسِ، وَتَتْبَعَهُمَا الْعَامَّةُ وَيُقَاتِلَا فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، فَيَنْتَصِرَا عَلَيْهِ وَيُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ أَيْ: وَيَسْتَبِدَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَهِيَ السِّحْرُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا معظَّمين بِسَبَبِهَا، لَهُمْ أَمْوَالٌ وَأَرْزَاقٌ عَلَيْهَا، يَقُولُونَ: [[في ف: "يقولان".]] إِذَا غَلَبَ هَذَانَ أَهْلَكَاكُمْ وَأَخْرَجَاكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَتَفَرَّدَا بِذَلِكَ، وَتَمَحَّضَتْ لَهُمَا الرِّيَاسَةُ بِهَا دُونَكُمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْفُتُونِ عَنِ [[في ف، أ: "أن".]] ابْنِ عَبَّاسٍ [قَالَ] [[زيادة من ف، أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يَعْنِي: مُلْكَهُمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْعَيْشَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، سَمِعَ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قَالَ: يَصْرِفَا [[في ف، أ: "يصرفان".]] وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِمَا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قَالَ: أُولِي الشَّرَفِ وَالْعَقْلِ وَالْأَسْنَانِ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ أَشْرَافُكُمْ وَسَرُوَاتُكُمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: بِخَيْرِكُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَطَرِيقَتُهُمُ الْمُثْلَى يَوْمَئِذٍ بَنُو إِسْرَائِيلَ، كَانُوا أَكْثَرَ الْقَوْمِ عَدَدًا وَأَمْوَالًا فَقَالَ عَدُوُّ الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ بِالَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أَيِ اجْتَمِعُوا كُلُّكُمْ [[في أ: "كلهم".]] صَفًّا وَاحِدًا، وَأَلْقُوا مَا فِي أَيْدِيكُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، لِتَبْهَرُوا الْأَبْصَارَ، وَتَغْلِبُوا هَذَا وَأَخَاهُ، ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أَيْ: مِنَّا وَمِنْهُ، أَمَّا نَحْنُ فَقَدَ وَعَدَنَا هَذَا الْمَلِكُ الْعَطَاءَ الْجَزِيلَ، وَأَمَّا هو فينال الرياسة العظيمة.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 62 إلى 63
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: فتنازع السحرة أمرهم بينهم.
وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض، ما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر.
وقال آخرون: بل هو أن بعضهم قال لبعض: ما هذا القول بقول ساحر.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع كلّ ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى المجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.
* *
وقوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾
يقول تعالى ذكره: وأسرّوا السحرة المناجاة بينهم.
ثم اختلف أهل العلم في السرار الذي أسروه، فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا.
وقال آخرون:في ذلك ما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلى بعض بتناج ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ .
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ من دون موسى وهارون، قالوا في نجواهم ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قالوا: إن هذان لساحران، يَعْنُونَ بقولهم: إن هذان موسى وهارون، لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا) موسى وهارون صلى الله عليهما.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار ﴿إنَّ هَذَانِ﴾ بتشديد إن وبالألف في هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك، وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: "إن" خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما، وقال بعض نحويي الكوفة: ذلك على وجهين: أحدهما على لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف، وقد أنشدني رجل من الأسد عن بعض بني الحارث بن كعب:
فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأى ... مَساغا لِناباه الشُّجاعُ لصَمما [[البيت للمتلمس: جرير بن عبد العزى، وقيل جرير بن عبد المسيح، من كلمة له رواها ابن الشجري (انظر كتاب الأشموني في النحو بشرح الأستاذ محيي الدين عبد الحميد، طبعة الحلبي ١: ٤٧) . قال: أطرق: سكت فلم يتكلم وأرخى عينيه ينظر إلى الأرض. والشجاع: ضرب من الحيات لطيف دقيق، وهو أجرؤها. أو هو الحية العظيمة تثب على الفارس والراجل وتقوم على ذنبها، وربما بلغت رأس الفارس، وتكون في الصحاري. ومساغا: اسم مكان من ساغ يسوغ: إذا دخل ونفذ. وصمما عضد ونيب. والبيت جار على لغة بني الحارث بن كعب ومن لف لفهم، والشاهد فيه أن قوله لناباه مثنى مجرور باللام، وقد جاء بالألف، وهي لغة بني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل، وزبيد وخثعم وهمدان وعذرة. ويخرج بعض النحويين على هذه اللغة قوله تعالى: " إن هذان لساحران " وقوله ﷺ: " لا وتران في ليلة ". قال الفراء في معاني القرآن (الورقة ١٩٨ من مصورة الجامعة ٢٤٠٥٩) فقراءتنا بتشديد إن، وبالألف؛ على جهتين: إحداهما على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في رفعهما وخفضهما بالألف، أنشدني رجل من الأسد عنهم " فأطرق إطراق الشجاع ". . . البيت. وحكى هذا الرجل عنهم: هذا خط يدا أخي، أعرفه بعينه وذلك وإن كان قليلا أقيس. (وساق المؤلف كلام الفراء إلى آخره) .]]
قال: وحكى عنه أيضا: هذا خط يدا أخي أعرفه، قال: وذلك وإن كان قليلا أقيس، لأن العرب قالوا: مسلمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة، لأنها لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، قالوا: فلما رأوا الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحا، تركوا الألف تتبعه، فقالوا: رجلان في كلّ حال. قال: وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في كلا الرجلين، في الرفع والنصب والخفض، وهما اثنان، إلا بني كنانة، فإنهم يقولون: رأيت كلي الرجلين، ومررت بكلي الرجلين، وهي قبيحة قليلة مضوا على القياس، قال: والوجه الآخر أن تقول: وجدت الألف من هذا دعامة، وليست بلام فعل، فلما بنيت زدت عليها نونا، ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول بكلّ حال، كما قالت العرب الذي، ثم زادوا نونا تدلّ على الجمع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا هذان في رفعه ونصبه وخفضه، قال: وكان القياس أن يقولوا: اللذون، وقال آخر منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نصب لخرج إلى الانبساط.
⁕ وحُدثت عن أبي عُبيدة معمر بن المثنى، قال: قال أبو عمرو وعيسى بن عمر ويونس: إن هذين لساحران في اللفظ، وكتب هذان كما يريدون الكتاب، واللفظ صواب، قال: وزعم أبو الخطاب أنه سمع قوما من بني كنانة وغيرهم، يرفعون الاثنين في موضع الجر والنصب، قال: وقال بشر بن هلال: إن بمعنى الابتداء والإيجاب، ألا ترى أنها تعمل فيما يليها، ولا تعمل فيما بعد الذي بعدها، فترفع الخبر ولا تنصبه، كما نصبت الاسم، فكان مجاز "إن هذان لساحران"، مجاز كلامين، مَخْرجه: إنه إي نعم، ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترى أنهم يرفعون المشترك كقول ضابئ:
فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ... فإنّي وَقيار بِهَا لَغَرِيبُ [[البيت لضابئ بن الحارث البرجمي، وهو أول أبيات قالها وهو محبوس بالمدينة، في زمن عثمان بن عفان. وبعده ثلاثة أبيات أنشدها أبو العباس المبرد في الكامل (خزانة الأدب للبغدادي ٤: ٣٢٣ - ٣٢٨) واستشهد به النحاة على أن قوله (قيار) مبتدأ حذف خبره، والجملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها، والتقدير: فإني وقيار كذلك، لغريب. وإنما لم يجعل الخبر لقيار، ويكون خبر إن محذوفا؛ لأن اللام لا تدخل في خبر المبتدأ حتى يقدم، نحو لقائم زيد. وهذا تخريج له خلاف مذهب سيبويه، فإن الجملة عنده في نية التأخير، فهي معطوفة لا معترضة، وزعم الكسائي والفراء أن نصب إن ضعيف لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر، قال الزجاج: وهذا غلط، لأن إن قد عملت عملين: الرفع والنصب، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع، لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل، إلا فيما لم يسم فاعله. وكيف يكون نصب إن ضعيفا وهي تتخطى الظروف وتنصب ما بعدها نحو " إن فيها قوما جبارين "، ونصب إن من أقوى المنصوبات أه.]]
وقوله:
إنَّ السُّيوفَ غُدُوَّها ورَوَاحَها ... تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعْضَبِ [[البيت للأخطل (خزانة الأدب للبغدادي ٢: ٣٧٢) من قصيدة له ستة عشر بيتا مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس. والبيت شاهد عند النحاة على أنه قد يعتبر الأول في اللفظ دون الثاني، أي يعتبر المبدل منه في اللفظ دون البدل فإن قوله " غدوها " بدل من السيوف، قال المبرد في الكامل: هو بدل اشتمال، وقد روعي المبدل منه في اللفظ، بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل ولو روعي لقيل " تركا " بالتثنية. وهوازن: أبو قبيلة، وهو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. والأعضب: الذي انكسر أحد قرنيه. وأورد المؤلف البيت شاهدا على أنهم قد يرفعون المشترك، أي المعطوف على اسم إن، وليس في البيت عطف على اسم إن، وإنما هو إبدال من المنصوب كما قرره المبرد وأبو علي الفارسي في إيضاح الشعر.]]
قال: ويقول بعضهم: إن الله وملائكته يصلون على النبيّ، فيرفعون على شركة الابتداء، ولا يعملون فيه إنَّ. قال: وقد سمعت الفصحاء من المحرمين يقولون: إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك، قال: وقرأها قوم على تخفيف نون إن وإسكانها، قال: ويجوز لأنهم قد أدخلوا اللام في الابتداء وهي فصل، قال:
أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ [[هذا بيت من مشطور الرجز نسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروش بالشين في آخره، وقيل بالسين، مولى ثقيف. (خزانة الأدب الكبرى للبغدادي ٤: ٣٢٨ - ٣٣٠) . وهو شاهد على أنه شذ دخول اللام على خبر المبتدأ المؤخر، مجردا من إن. وقدر بعضهم: لهي عجوز، لتكون في التقدير داخلة على المبتدأ. قال ابن السراج في الأصول: قال أبو عثمان: وقرأ سعيد بن جبير (إلا أنهم لا يأكلون الطعام) : فتح أن، وجعل اللام زائدة كما زيدت في قوله: أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبة
انتهى. وعند ابن جني غير زائدة، لكنها في البيت ضرورة. قال في سر الصناعة: وأما الضرورة التي تدخل لها اللام في خبر إن فمن ضرورات الشعر، ولا يقاس عليها؛ والوجه أن يقال: لأم الحليس عجوز شهربه، كما يقال لزيد قائم. وأورد المؤلف البيت شاهدا على أن اللام فيه " وقيار بها لغريب " هي لام ابتداء أخرجت إلى الخبر، كما في قول الراجز: أم الحليس لعجوز، وأصله: لأم الحليس عجوز.]]
قال: وزعم قوم أنه لا يجوز، لأنه إذا خفف نون "إن" فلا بدّ له من أن يدخل "إلا" فيقول: إن هذا إلا ساحران.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ﴿إنّ﴾ بتشديد نونها، وهذان بالألف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، وأنه كذلك هو في خطّ المصحف، ووجهه إذا قرئ كذلك مشابهته الذين إذ زادوا على الذي النون، وأقرّ في جميع الأحوال الإعراب على حالة واحدة، فكذلك ﴿إنَّ هَذَانِ﴾ زيدت على هذا نون وأقرّ في جميع أحوال الإعراب على حال واحدة، وهي لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ومن وليهم من قبائل اليمن.
* *
وقوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾
يقول: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك للواحد والجمع، وربما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ وهؤلاء نظائر قومهم.
وأما قوله ﴿المُثْلَى﴾ فإنها تأنيث الأمثل، يقال للمؤنث، خذ المثلى منهما. وفي المذكر: خذ الأمثل منهما، ووحدت المثلى، وهي صفة ونعت للجماعة، كما قيل ﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد يحتمل أن يكون المُثلى أنثت لتأنيث الطريقة.
وبنحو ما قلنا في معنى قوله ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيل.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ قال: أولي العقل والشرف والأنساب.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولي العقول والأشراف والأنساب.
⁕ حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادة، قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وطريقتهم المُثلى يومئذ كانت بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا وأولادا، قال عدوّ الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: ببني إسرائيل.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يقول: يذهبا بأشراف قومكم.
وقال آخرون: معنى ذلك، ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه، من قولهم: فلان حسن الطريقة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: يذهبا بالذي أنتم عليه، يغير ما أنتم عليه، وقرأ ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ﴾ قال: هذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وقال: يقول طريقتكم اليوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة.
ورُوي عن عليّ في معنى قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ما:-
⁕ حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن عليّ بن أبي طالب، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في قوله ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ وإن كان قولا له وجه يحتمله الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه، فلا أستجيز لذلك القول به.