سورة القرآن surah-quran.com

سورة طه

سورة طه، الآية 82

الجزء 16، الصفحة 317.

وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴿٨٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وإني لَغفار لمن تاب من ذنبه وكفره، وآمن بي وعمل الأعمال الصالحة، ثم اهتدى إلى الحق واستقام عليه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 80 إلى 82

{80 ـ 81} يذكِّر تعالى بني إسرائيل منَّته العظيمة عليهم بإهلاك عدوِّهم، ومواعدته لموسى عليه السلام بجانب الطُّور الأيمن؛ لينزل عليه الكتاب الذي فيه الأحكام الجليلة والأخبار الجميلة، فتتمَّ عليهم النعمة الدينيَّة بعد النعمة الدنيويَّة، ويذكِّر منَّته أيضاً عليهم في التيه بإنزال المنِّ والسلوى والرزق الرَّغَد الهني، الذي يحصُلُ لهم بلا مشقَّة، وأنه قال لهم:{كُلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم}؛ أي: واشكروه على ما أسدى إليكم من النعم. {ولا تَطۡغَوۡا فيه}؛ أي: في رزقه فتستعملونه في معاصيه وتبطرون النعمة فإنكم إن فعلتم ذلك حلَّ عليكم غضبي؛ أي: غضبتُ عليكم ثم عذَّبتكم. {ومَن يَحۡلُلۡ عليه غضبي فقد هوى}؛ أي: ردي وهلك وخاب وخسر؛ لأنه عَدِمَ الرِّضا والإحسان، وحلَّ عليه الغضب والخسران.

الآية 82: ومع هذا؛ فالتوبة معروضةٌ، ولو عمل العبد ما عمل من المعاصي، ولهذا قال:{وإنِّي لغفارٌ}؛ أي: كثير المغفرة والرحمة، {لمن تابَ}: من الكفر والبدعة والفسوق، و {آمن}: بالله وملائكته وكتبِهِ ورسلِهِ واليوم الآخر، {وعمل صالحاً}: من أعمال القلب والبدن وأقوال اللسان، {ثمَّ اهتدى}؛ أي: سلك الصراط المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدِّين القويم؛ فهذا يغفر الله أوزاره، ويعفو عما تقدَّم من ذنبه وإصراره؛ لأنَّه أتى بالسبب الأكبر للمغفرة والرحمة، بل الأسباب كلُّها منحصرةٌ في هذه الأشياء؛ فإنَّ التوبة تجبُّ ما قبلها، والإيمان والإسلام يهدم ما قبله، والعمل الصالحُ الذي هو الحسناتُ يُذْهِبُ السيئاتِ، وسلوكُ طرق الهداية، بجميع أنواعها، من تعلُّم علم وتدبُّر آية أو حديث، حتى يتبيَّن له معنى من المعاني يهتدي به، ودعوة إلى دين الحقِّ وردِّ بدعة أو كفر أو ضلالة وجهاد وهجرةٍ وغير ذلك، من جزئيَّات الهداية كلها مكفِّرات للذنوب محصِّلات لغاية المطلوب.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وإنِّي لَغَفّار لِمَن تابَ﴾ مِن الشِّرْك ﴿وآمَنَ﴾ وحَّدَ اللَّه ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَصْدُق بِالفَرْضِ والنَّفْل ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ بِاسْتِمْرارِهِ عَلى ما ذُكِرَ إلى مَوْته

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 80 إلى 82

يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعِظَامَ، وَمِنَنَهُ الْجِسَامَ، حَيْثُ نَجَّاهم مِنْ عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ، وَأَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ مِنْهُ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَإِلَى جُنْدِهِ قَدْ غَرِقُوا فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] : [[زيادة من ف.]] ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٠] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْح بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ: " نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى فَصُومُوهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٧٣٧) ، وصحيح مسلم برقم (١١٣٠) .]] .

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى وَاعَدَ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ إِلَى جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ الَّذِي كَلَّمَهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَ فِيهِ الرُّؤْيَةَ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ هُنَاكَ. [[في ف، أ: "هنالك".]] وَفِي غُضُون ذَلِكَ عَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ، كَمَا يَقُصُّهُ تَعَالَى قَرِيبًا.

وَأَمَّا الْمَنُّ وَالسَّلْوَى، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[عند تفسير الآية ٥٧ وما بعدها.]] وَغَيْرِهَا. فَالْمَنُّ: حَلْوَى كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ. وَالسَّلْوَى: طَائِرٌ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ، فَيَأْخُذُونَ مِنْ كُلٍّ، قَدْرَ الْحَاجَةِ إِلَى الْغَدِ، لُطْفًا مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أَيْ: كُلُوا مِنْ هَذَا [الرِّزْقِ] [[زيادة من ف، أ.]] الَّذِي رَزَقْتُكُمْ، وَلَا تَطْغَوْا فِي رِزْقِي، فَتَأْخُذُوهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَتُخَالِفُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أَيْ: أَغْضَبُ عَلَيْكُمْ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ: فَقَدْ شَقِيَ.

وَقَالَ شُفَيّ بْنُ مَاتِعٍ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ قَصْرًا يُرمى الْكَافِرُ مِنْ أَعْلَاهُ، فَيَهْوِي فِي جَهَنَّمَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الصَّلْصَالَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَيْ: كُلُّ مَنْ تَابَ إِلَيَّ تبتُ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّ ذَنْبٍ كَانَ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى تَابَ [[في ف، أ: "أنه تاب تعالى".]] عَلَى مَنْ عبد العجل من بني إسرائيل.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿تَابَ﴾ أَيْ: رَجَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ شِرْكٍ أَوْ نِفَاقٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآمَنَ﴾ أَيْ: بِقَلْبِهِ [[في ف: "قلبه".]] ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَيْ: بِجَوَارِحِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ ثُمَّ لَمْ يُشَكِّكْ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أَيِ: اسْتَقَامَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. ورُوي نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أَيْ: لَزِمَ الْإِسْلَامَ حَتَّى يَمُوتَ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أَيْ: عَلِمَ أَنَّ لِهَذَا [[في ف: "هذا".]] ثَوَابًا.

وَثُمَّ هَاهُنَا لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [الْبَلَدِ: ١٧] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 81 إلى 82

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) ﴾

يقول تعالى ذكره: ومن يجب عليه غضبي، فينزل به، فقد هوى، يقول فقد تردى فشقي.

كما:-

⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ يقول: فقد شقي.

* *

وقوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾

يقول: وإني لذو غفر لمن تاب من شركه، فرجع منه إلى الإيمان لي ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وأخلص لي الألوهة، ولم يشرك في عبادته إياي غيري. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: وأدّى فرائضي التي افترضتها عليه، واجتنب معاصي ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: ثم لزم ذلك فاستقام ولم يضيع شيئا منه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وحد الله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: أدى فرائضي.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من ذنبه ﴿وآمَنَ﴾ به ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينه وبين الله.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وآمَنَ﴾ يقول: وأخلص لله، وعمل في إخلاصه.

واختلفوا في معنى قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فقال بعضهم: معناه: لم يشكك في إيمانه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: لم يشكُك.

وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لزم الإيمان والعمل الصالح.

ذكر قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استقام.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أخذ بسنة نبيه ﷺ.

وقال آخرون: بل معناه: أصاب العمل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أصاب العمل.

وقال آخرون: معنى ذلك: عرف أمر مُثيبه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبي ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الذنب ﴿وآمَنَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدّى ما افترضت عليه ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرف مثيبه إن خيرًّا فخير، وإن شرًّا فشر.

وقال آخرون بما:-

⁕ حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: إلى ولاية أهل بيت النبيّ ﷺ.

قال أبو جعفر: إنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه فلا شكّ في اهتدائه.