سورة يس، الآية 34
الجزء 23، الصفحة 442.
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ ﴿٣٤﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يس
تفسير الآية
التفسير الميسر
وجعلنا في هذه الأرض بساتين من نخيل وأعناب، وفجَّرنا فيها من عيون المياه ما يسقيها.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 36
الآية 33: أي: {وآيةٌ لهم}: على البعثِ والنُّشور والقيام بين يدي الله تعالى للجزاء على الأعمال هذه {الأرضُ المَيۡتَةُ}: أنزل الله عليها المطرَ فأحْياها بعد موتها، {وأخۡرَجۡنا منها حَبًّا فمنه يأكُلونَ}: من جميع أصناف الزُّروع ومن جميع أصناف النباتِ التي تأكُلُه أنعامُهم.
الآية 34:{وجَعَلۡنا فيها}؛ أي: في تلك الأرض الميتة {جَنَّاتٍ}؛ أي: بساتين فيها أشجارٌ كثيرةٌ، وخصوصاً النخيل والأعناب، اللذان هما أشرف الأشجار، {وفجَّرۡنا فيها}؛ أي: في الأرض {من العيون}: جعلنا في الارض تلكَ الأشجارَ والنخيل والأعناب.
الآية 35:{لِيأكُلوا من ثمرِهِ}: قوتاً وفاكهةً وأدماً ولذَّةً. {و} الحال أنَّ تلك الثمار {ما} عملتها {أيديهم}: وليس لهم فيها صنعٌ ولا عملٌ، إنْ هو إلاَّ صنعةُ أحكم الحاكمين وخيرِ الرازقين، وأيضاً؛ فلم تَعْمَلْهُ أيديهم بطبخ ولا غيرِهِ، بل أوجد اللهُ هذه الثمارَ غير محتاجةٍ لطَبْخ ولا شيءٍ تؤخَذُ من أشجارِها فتُؤكَلُ في الحال. {أفلا يَشۡكُرونَ}: مَنْ ساقَ لهم هذه النعم، وأسبغَ عليهم من جُودِهِ وإحسانِهِ ما به تَصْلُحُ أمورُ دينهم ودُنْياهم، أليس الذي أحْيا الأرض بعد موتِها فأنْبَتَ فيها الزُّروعَ والأشجارَ وأوْدَعَ فيها لذيذَ الثمار وأظهر ذلك الجنى من تلك الغصونِ وفَجَّرَ الأرضَ اليابسة الميتة بالعُيونِ بقادرٍ على أن يُحْيِيَ الموتى؟ بلى إنَّه على كل شيء قدير.
الآية 36:{سبحانَ الذي خَلَقَ الأزواجَ كُلَّها}؛ أي: الأصناف كلَّها {مما تُنۡبِتُ الأرضُ}: فَنَوَّعَ فيها من الأصناف ما يعسُرُ تعدادُهُ، {ومن أنفسِهِم}: فنوَّعَهم إلى ذكرٍ وأنثى، وفاوتَ بين خَلْقِهِم وخُلُقِهِم وأوصافهم الظاهرة والباطنة {وممَّا لا يعلمونَ}: من المخلوقات التي قد خُلِقَتْ وغابتْ عن عِلْمِنا، والتي لم تُخْلَقْ بعد؛ فسُبحانه وتعالى أن يكونَ له شريكٌ أو ظهيرٌ أو عوينٌ أو وزيرٌ أو صاحبةٌ أو ولدٌ أو سميٌّ أو شبيهٌ أو مثيلٌ في صفاتِ كماله ونعوتِ جلالِهِ، أو يُعْجِزَه شيءٌ يريدُه.
تفسير الجلالين
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّات﴾ بَساتِين ﴿مِن نَخِيل وأَعْناب وفَجَّرْنا فِيها مِن العُيُون﴾ أيْ بَعْضها
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 36
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ أَيْ: دَلَالَةٌ لَهُمْ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى ﴿الأرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أَيْ: إِذَا كَانَتْ مَيِّتَةً هَامِدَةً لَا شَيْءَ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ، فَإِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ أَيْ: جَعَلْنَا فِيهَا أَنْهَارًا سَارِحَةً فِي أَمْكِنَةٍ، يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ. لَمَّا امْتَنَّ عَلَى خَلْقِهِ بِإِيجَادِ الزُّرُوعِ لَهُمْ عَطَف بِذِكْرِ الثِّمَارِ وَتَنَوُّعِهَا وَأَصْنَافِهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ أَيْ: وَمَا ذَاكَ كُلُّهُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ، لَا بِسَعْيِهِمْ وَلَا كَدِّهِمْ، وَلَا بِحَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ؟ أَيْ: فَهَلَا يَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؟ وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ -بَلْ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ غَيْرُهُ إِلَّا احْتِمَالًا-أَنَّ "مَا" فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ بِمَعْنَى: "الَّذِي"، تَقْدِيرُهُ: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ، أَيْ: غَرَسُوهُ وَنَصَبُوهُ، قَالَ: وَهِيَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ أَيْ: مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَنَبَاتٍ. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَجَعَلَهُمْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتٍ شَتَّى لَا يَعْرِفُونَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٩] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 34
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: ودلالة لهؤلاء المشركين على قُدرة الله على ما يشاء، وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه، كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة، التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها، ثم إخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء، فمنه يأكلون.
* *
وقوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾
يقول تعالى ذكره: وجعلنا في هذه الأرض التي أحييناها بعد موتها بساتين من نخيل وأعناب ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ يقول: وأنبعنا فيها من عيون الماء.