سورة القرآن surah-quran.com

سورة يس

سورة يس، الآية 46

الجزء 23، الصفحة 443.

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿٤٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وما تجيء هؤلاء المشركين من علامة واضحة من عند ربهم؛ لتهديهم للحق، وتبيِّن لهم صدق الرسول، إلا أعرضوا عنها، ولم ينتفعوا بها.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 50

الآية 41: أي: ودليلٌ لهم وبرهانٌ على أنَّ اللهَ وحدَه المعبودُ؛ لأنَّه المنعِمُ بالنِّعم الصارف للنِّقم الذي من جملةِ نعمه {أنَّا حَمَلۡنا ذُرِّيَّتَهم}: قال كثيرٌ من المفسِّرين: المرادُ بذلك آباؤهم.

الآية 42:{وخَلَقۡنا لهم}؛ أي: للموجودين من بعدِهم {من مثلِهِ}؛ أي: من مثل ذلك الفلك؛ أي: جنسه {ما يَرۡكَبونَ}: به. فذكر نعمتَه على الآباء بِحَمْلِهِم في السفن؛ لأنَّ النعمة عليهم نعمةٌ على الذُّرِّيَّة. وهذا الموضعُ من أشكل المواضع عليَّ في التفسير؛ فإنَّ ما ذَكَرَه كثيرٌ من المفسِّرين من أنَّ المرادَ بالذُّرِّيَّةِ الآباء مما لا يُعْهَدُ في القرآن إطلاقُ الذُّرِّيَّةِ على الآباء، بل فيه من الإبهام وإخراج الكلام عن موضوعِهِ ما يأباه كلامُ ربِّ العالمين وإرادتُه البيانَ والتوضيحَ لعبادِهِ. وثَمَّ احتمالٌ أحسنُ من هذا، وهو أنَّ المرادَ بالذُّرِّيَّةِ الجنسُ، وأنَّهم هم بأنفسهم؛ لأنَّهم هم من ذُرِّيَّةِ بني آدم، ولكن يَنْقُضُ هذا المعنى قوله:{وخَلَقۡنا لهم من مثلِهِ ما يَرۡكَبون}: إنْ أريدَ: وخَلَقْنا من مثل ذلك الفُلْك؛ أي: لهؤلاء المخاطبين ما يركبونَ من أنواع الفُلْك، فيكونُ ذلك تكريراً للمعنى تأباه فصاحةُ القرآن. فإنْ أريدَ بقوله:{وخَلَقۡنا لهم من مثلِهِ ما يركبونَ}: الإبل التي هي سُفُن البرِّ؛ استقامَ المعنى واتَّضح؛ إلاَّ أنَّه يبقى أيضاً أن يكون الكلامُ فيه تشويشٌ؛ فإنَّه لو أُريد هذا المعنى؛ لقال: وآيةٌ لهم أنَّا حَمَلْناهم في الفُلْكِ المَشْحونِ وخَلَقْنا لهم من مثلِهِ ما يركبونَ، فأمَّا أنْ يُقالَ في الأول: حملنا ذريتهم، وفي الثاني: حملناهم؛ فإنَّه لا يظهرُ المعنى إلاَّ أنْ يقالَ: الضميرُ عائدٌ إلى الذُّرِّيَّةِ. والله أعلم بحقيقةِ الحال. فلمَّا وصلتُ في الكتابة إلى هذا الموضع؛ ظهر لي معنى ليس ببعيدٍ من مرادِ الله تعالى، وذلك أنَّ مَنْ عَرَفَ جلالة كتابِ الله وبيانَه التامَّ من كلِّ وجهٍ للأمور الحاضرة والماضية والمستقبلةِ، وأنَّه يَذْكُرُ من كلِّ معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحوالِهِ، وكانت الفُلْكُ من آياته تعالى ونعمِهِ على عباده من حين أنعم عليهم بتعلُّمها إلى يوم القيامةِ، ولم تزلْ موجودةً في كلِّ زمان إلى زمانِ المواجَهين بالقرآن، فلمَّا خاطبهم الله تعالى بالقرآن، وذَكَرَ حالةَ الفُلك، وعَلِمَ تَعالى أنَّه سيكونُ أعظمُ آياتِ الفلكِ في غير وقتهم وفي غير زمانهم حين يُعَلِّمُهُم صنعةَ الفُلك البحريَّة الشراعيَّة منها والنّارية والجويَّة السابحة في الجوِّ كالطيور ونحوها والمراكبِ البريَّة ممَّا كانت الآيةُ العظمى فيه لم توجَدُ إلاَّ في الذُّرِّيَّةِ؛ نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها، فقال:{وآيةٌ لهم أنَّا حَمَلۡنا ذُرِّيَّتَهُمۡ في الفُلۡكِ المشحونِ}؛ أي: المملوء ركباناً وأمتعةً، فحملهم الله تعالى، ونجَّاهم بالأسباب التي علَّمهم اللهُ بها من الغرق.

الآية 43: ولهذا نبَّههم على نعمتِهِ عليهم حيث أنْجاهم من الغرقِ مع قدرتِهِ على ذلك، فقال:{وإن نشأ نُغۡرِقۡهم فلا صريخَ لهم}؛ أي: لا أحد يصرُخُ لهم فيعاوِنُهم على الشدَّة ولا يزيلُ عنهم المشقَّة، {ولا هم يُنقَذونَ}: مما هم فيه.

الآية 44:{إلاَّ رحمةً مِنَّا ومتاعاً إلى حينٍ}: حيث لم نُغْرِقْهم لطفاً بهم وتمتيعاً لهم إلى حينٍ، لعلَّهم يرجِعونَ، أو يستدرِكون ما فَرَطَ منهم.

الآية 45:{وإذا قيل لهمُ اتَّقوا ما بَيۡنَ أيديكم وما خَلۡفَكُم}؛ أي: من أحوال البرزخ والقيامةِ وما في الدُّنيا من العقوبات؛ {لعلَّكُم تُرۡحَمونَ}: أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأساً، ولو جاءَتْهم كلُّ آيةٍ.

الآية 46: ولهذا قال: {وما تأتيهم مِن آيةٍ مِن آياتِ ربِّهم إلاَّ كانوا عنها معرضينَ}: وفي إضافة الآياتِ إلى ربِّهم دليلٌ على كمالها ووضوحِها؛ لأنَّه ما أبين من آياتِ اللَّه ولا أعظم بياناً، وإنَّ من جملة تربيةِ الله لعبادِهِ أنْ أوصلَ إليهم الآياتِ التي يستدلُّون بها على ما ينفعُهم في دينهم ودنياهم.

الآية 47:{وإذا قيلَ لهم أنفِقوا ممَّا رَزَقَكُمُ اللهُ}؛ أي: من الرزق الذي مَنَّ به اللهُ عليكم، ولو شاء لَسَلَبَكُم إيَّاه، {قالَ الذين كَفَروا للذين آمنوا}: معارضينَ للحقِّ محتجِّين بالمشيئةِ: {أنُطۡعِمُ مَن لو يشاءُ الله أطۡعَمَهُ إنۡ أنتُم}: أيها المؤمنون، لفي {ضلالٍ مبينٍ}: حيث تأمروننا بذلك، وهذا مما يدلُّ على جهلهم العظيم أو تجاهُلِهِم الوخيم؛ فإنَّ المشيئة ليست حجَّةً لعاصٍ أبداً؛ فإنَّه وإنْ كان ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكنْ؛ فإنَّه تعالى مَكَّنَ العبادَ وأعطاهم من القوَّةِ ما يقدرون على فعل الأمرِ واجتنابِ النَّهْي؛ فإذا تَرَكوا ما أمِروا به؛ كان ذلك اختياراً منهم لا جبراً لهم وقهراً.

{48 ـ 49}{ويقولون}: على وجه التكذيب والاستعجال: {متى هذا الوعدُ إن كُنتُم صادقينَ}. قال الله تعالى: لا يستبعدوا ذلك؛ فإنَّه عن قريبٍ، {ما ينظُرونَ إلاَّ صَيۡحَةً واحدةً}: وهي نفخةُ الصور. {تأخُذُهم}؛ أي: تصيبُهم {وهم يَخِصِّمونَ}؛ أي: وهم لاهون عنها، لم تخطُرْ على قلوبِهِم في حال خصومَتِهم وتشاجُرِهم بينَهم، الذي لا يوجد في الغالب إلاَّ وقتَ الغفلة.

الآية 50: وإذا أخذتُهم وقتَ غفلَتِهِم؛ فإنَّهم لا يُنظرونَ ولا يُمهلون؛ {فلا يستطيعون توصيةً}؛ أي: لا قليلة ولا كثيرة، {ولا إلى أهۡلِهِم يَرۡجِعونَ}.

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 45 إلى 47

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَمَادِي الْمُشْرِكِينَ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِمْ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَسْلَفُوهَا، وَمَا هُمْ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْعَكْسِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ بِاتِّقَائِكُمْ ذَلِكَ يَرْحَمُكُمْ وَيُؤَمِّنُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ. وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ إِلَى ذَلِكَ وَيُعْرِضُونَ عَنْهُ. وَاكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أَيْ: لَا يَتَأَمَّلُونَهَا وَلَا يَنْتَفِعُونَ [[في أ: "ولا يشعرون".]] بِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أَيْ: وَإِذَا أُمِرُوا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْفُقَرَاءِ، أَيْ: قَالُوا لِمَنْ أَمْرُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِنْفَاقِ مُحَاجِّينَ لَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُمُونَا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لِأَغْنَاهُمْ وَلَأَطْعَمَهُمْ مِنْ رِزْقِهِ، فَنَحْنُ نُوَافِقُ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيهِمْ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أَيْ: فِي أَمْرِكُمْ لَنَا بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ حِينَ نَاظَرُوا الْمُسْلِمِينَ [[في أ: "المؤمنين".]] وَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [[تفسير الطبري (٢٣/٩) .]] ، وفي هذا نظر.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 45 إلى 46

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله، المكذّبين رسوله محمدًا ﷺ: احذروا ما مضى بين أيديكم من نقم الله وَمثُلاته بمن حلّ ذلك به من الأمم قبلكم أن يحلّ مثله بكم بشرككم وتكذيبكم رسوله. ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ يقول: وما بعد هلاككم مما أنتم لاقوه إن هلكتم على كفركم الذي أنتم عليه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: ليرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ : وقائع الله فيمن خلا قبلهم من الأمم وما خلفهم من أمر الساعة.

وكان مجاهد يقول في ذلك ما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ قال: ما مضى من ذنوبهم، وهذا القول قريب المعنى من القول الذي قلنا، لأن معناه: اتقوا عقوبة ما بين أيديكم من ذنوبكم، وما خلفكم مما تعملون من الذنوب ولم تعملوه بعد، فذلك بعد تخويف لهم العقاب على كفرهم.

* *

وقوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾

يقول تعالى ذكره: وما تجيء هؤلاء المشركين من قريش آية، يعني حجة من حُجَج الله، وعلامة من علاماته على حقيقة توحيده، وتصديق رَسُوله، إلا كانوا عنها معرضين، لا يتفكرون فيها، ولا يتدبرونها، فيعلموا بها ما احتجّ الله عليهم بها.

فإن قال قائل: وأين جواب قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ ؟ قيل: جوابه وجواب قوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ...

* *

قوله ﴿إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾

لأن الإعراض منهم كان عن كل آية لله، فاكتفي بالجواب عن قوله ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ وعن قوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾ بالخبر عن إعراضهم عنها لذلك، لأن معنى الكلام: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، وإذا أتتهم آية أعرضوا.