سورة القرآن surah-quran.com

سورة يس

سورة يس، الآية 49

الجزء 23، الصفحة 443.

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴿٤٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم إلا نفخة الفَزَع عند قيام الساعة، تأخذهم فجأة، وهم يختصمون في شؤون حياتهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 50

الآية 41: أي: ودليلٌ لهم وبرهانٌ على أنَّ اللهَ وحدَه المعبودُ؛ لأنَّه المنعِمُ بالنِّعم الصارف للنِّقم الذي من جملةِ نعمه {أنَّا حَمَلۡنا ذُرِّيَّتَهم}: قال كثيرٌ من المفسِّرين: المرادُ بذلك آباؤهم.

الآية 42:{وخَلَقۡنا لهم}؛ أي: للموجودين من بعدِهم {من مثلِهِ}؛ أي: من مثل ذلك الفلك؛ أي: جنسه {ما يَرۡكَبونَ}: به. فذكر نعمتَه على الآباء بِحَمْلِهِم في السفن؛ لأنَّ النعمة عليهم نعمةٌ على الذُّرِّيَّة. وهذا الموضعُ من أشكل المواضع عليَّ في التفسير؛ فإنَّ ما ذَكَرَه كثيرٌ من المفسِّرين من أنَّ المرادَ بالذُّرِّيَّةِ الآباء مما لا يُعْهَدُ في القرآن إطلاقُ الذُّرِّيَّةِ على الآباء، بل فيه من الإبهام وإخراج الكلام عن موضوعِهِ ما يأباه كلامُ ربِّ العالمين وإرادتُه البيانَ والتوضيحَ لعبادِهِ. وثَمَّ احتمالٌ أحسنُ من هذا، وهو أنَّ المرادَ بالذُّرِّيَّةِ الجنسُ، وأنَّهم هم بأنفسهم؛ لأنَّهم هم من ذُرِّيَّةِ بني آدم، ولكن يَنْقُضُ هذا المعنى قوله:{وخَلَقۡنا لهم من مثلِهِ ما يَرۡكَبون}: إنْ أريدَ: وخَلَقْنا من مثل ذلك الفُلْك؛ أي: لهؤلاء المخاطبين ما يركبونَ من أنواع الفُلْك، فيكونُ ذلك تكريراً للمعنى تأباه فصاحةُ القرآن. فإنْ أريدَ بقوله:{وخَلَقۡنا لهم من مثلِهِ ما يركبونَ}: الإبل التي هي سُفُن البرِّ؛ استقامَ المعنى واتَّضح؛ إلاَّ أنَّه يبقى أيضاً أن يكون الكلامُ فيه تشويشٌ؛ فإنَّه لو أُريد هذا المعنى؛ لقال: وآيةٌ لهم أنَّا حَمَلْناهم في الفُلْكِ المَشْحونِ وخَلَقْنا لهم من مثلِهِ ما يركبونَ، فأمَّا أنْ يُقالَ في الأول: حملنا ذريتهم، وفي الثاني: حملناهم؛ فإنَّه لا يظهرُ المعنى إلاَّ أنْ يقالَ: الضميرُ عائدٌ إلى الذُّرِّيَّةِ. والله أعلم بحقيقةِ الحال. فلمَّا وصلتُ في الكتابة إلى هذا الموضع؛ ظهر لي معنى ليس ببعيدٍ من مرادِ الله تعالى، وذلك أنَّ مَنْ عَرَفَ جلالة كتابِ الله وبيانَه التامَّ من كلِّ وجهٍ للأمور الحاضرة والماضية والمستقبلةِ، وأنَّه يَذْكُرُ من كلِّ معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحوالِهِ، وكانت الفُلْكُ من آياته تعالى ونعمِهِ على عباده من حين أنعم عليهم بتعلُّمها إلى يوم القيامةِ، ولم تزلْ موجودةً في كلِّ زمان إلى زمانِ المواجَهين بالقرآن، فلمَّا خاطبهم الله تعالى بالقرآن، وذَكَرَ حالةَ الفُلك، وعَلِمَ تَعالى أنَّه سيكونُ أعظمُ آياتِ الفلكِ في غير وقتهم وفي غير زمانهم حين يُعَلِّمُهُم صنعةَ الفُلك البحريَّة الشراعيَّة منها والنّارية والجويَّة السابحة في الجوِّ كالطيور ونحوها والمراكبِ البريَّة ممَّا كانت الآيةُ العظمى فيه لم توجَدُ إلاَّ في الذُّرِّيَّةِ؛ نبَّه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها، فقال:{وآيةٌ لهم أنَّا حَمَلۡنا ذُرِّيَّتَهُمۡ في الفُلۡكِ المشحونِ}؛ أي: المملوء ركباناً وأمتعةً، فحملهم الله تعالى، ونجَّاهم بالأسباب التي علَّمهم اللهُ بها من الغرق.

الآية 43: ولهذا نبَّههم على نعمتِهِ عليهم حيث أنْجاهم من الغرقِ مع قدرتِهِ على ذلك، فقال:{وإن نشأ نُغۡرِقۡهم فلا صريخَ لهم}؛ أي: لا أحد يصرُخُ لهم فيعاوِنُهم على الشدَّة ولا يزيلُ عنهم المشقَّة، {ولا هم يُنقَذونَ}: مما هم فيه.

الآية 44:{إلاَّ رحمةً مِنَّا ومتاعاً إلى حينٍ}: حيث لم نُغْرِقْهم لطفاً بهم وتمتيعاً لهم إلى حينٍ، لعلَّهم يرجِعونَ، أو يستدرِكون ما فَرَطَ منهم.

الآية 45:{وإذا قيل لهمُ اتَّقوا ما بَيۡنَ أيديكم وما خَلۡفَكُم}؛ أي: من أحوال البرزخ والقيامةِ وما في الدُّنيا من العقوبات؛ {لعلَّكُم تُرۡحَمونَ}: أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأساً، ولو جاءَتْهم كلُّ آيةٍ.

الآية 46: ولهذا قال: {وما تأتيهم مِن آيةٍ مِن آياتِ ربِّهم إلاَّ كانوا عنها معرضينَ}: وفي إضافة الآياتِ إلى ربِّهم دليلٌ على كمالها ووضوحِها؛ لأنَّه ما أبين من آياتِ اللَّه ولا أعظم بياناً، وإنَّ من جملة تربيةِ الله لعبادِهِ أنْ أوصلَ إليهم الآياتِ التي يستدلُّون بها على ما ينفعُهم في دينهم ودنياهم.

الآية 47:{وإذا قيلَ لهم أنفِقوا ممَّا رَزَقَكُمُ اللهُ}؛ أي: من الرزق الذي مَنَّ به اللهُ عليكم، ولو شاء لَسَلَبَكُم إيَّاه، {قالَ الذين كَفَروا للذين آمنوا}: معارضينَ للحقِّ محتجِّين بالمشيئةِ: {أنُطۡعِمُ مَن لو يشاءُ الله أطۡعَمَهُ إنۡ أنتُم}: أيها المؤمنون، لفي {ضلالٍ مبينٍ}: حيث تأمروننا بذلك، وهذا مما يدلُّ على جهلهم العظيم أو تجاهُلِهِم الوخيم؛ فإنَّ المشيئة ليست حجَّةً لعاصٍ أبداً؛ فإنَّه وإنْ كان ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكنْ؛ فإنَّه تعالى مَكَّنَ العبادَ وأعطاهم من القوَّةِ ما يقدرون على فعل الأمرِ واجتنابِ النَّهْي؛ فإذا تَرَكوا ما أمِروا به؛ كان ذلك اختياراً منهم لا جبراً لهم وقهراً.

{48 ـ 49}{ويقولون}: على وجه التكذيب والاستعجال: {متى هذا الوعدُ إن كُنتُم صادقينَ}. قال الله تعالى: لا يستبعدوا ذلك؛ فإنَّه عن قريبٍ، {ما ينظُرونَ إلاَّ صَيۡحَةً واحدةً}: وهي نفخةُ الصور. {تأخُذُهم}؛ أي: تصيبُهم {وهم يَخِصِّمونَ}؛ أي: وهم لاهون عنها، لم تخطُرْ على قلوبِهِم في حال خصومَتِهم وتشاجُرِهم بينَهم، الذي لا يوجد في الغالب إلاَّ وقتَ الغفلة.

الآية 50: وإذا أخذتُهم وقتَ غفلَتِهِم؛ فإنَّهم لا يُنظرونَ ولا يُمهلون؛ {فلا يستطيعون توصيةً}؛ أي: لا قليلة ولا كثيرة، {ولا إلى أهۡلِهِم يَرۡجِعونَ}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ما يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ ﴿إلّا صَيْحَة واحِدَة﴾ وهِيَ نَفْخَة إسْرافِيل الأُولى ﴿تَأْخُذهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ أصْله يَخْتَصِمُونَ نُقِلَتْ حَرَكَة التّاء إلى الخاء وأُدْغِمَتْ فِي الصّاد أيْ وهُمْ فِي غَفْلَة عَنْها بِتَخاصُمٍ وتَبايُع وأَكْل وشُرْب وغَيْر ذَلِكَ وفِي قِراءَة يَخْصِمُونَ كَيَضْرِبُونَ أيْ يَخْصِم بَعْضهمْ بَعْضًا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 48 إلى 50

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ اسْتِبْعَادِ الْكَفَرَةِ لِقِيَامِ السَّاعَةِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ﴾ ؟ [[زيادة من أ.]] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أَيْ: مَا يَنْتَظِرُونَ [[في أ: "ما ينظرون".]] إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، وَهَذِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-نَفْخَةُ الْفَزَعِ، يُنْفَخُ فِي الصُّورِ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ يَخْتَصِمُونَ وَيَتَشَاجَرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ فَنَفَخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةً يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْغَى لَيْتًا، وَرَفَعَ لَيْتًا -وَهِيَ [[في أ: "وهو".]] صَفْحَةُ الْعُنُقِ-يَتَسَمَّعُ الصَّوْتَ مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ. ثُمَّ يُسَاقُ الْمَوْجُودُونَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَحْشَرِ الْقِيَامَةِ بِالنَّارِ، تُحِيطُ بِهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أَيْ: عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ، الْأَمْرُ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ .

وَقَدْ وَرَدَتْ هَاهُنَا آثَارٌ وَأَحَادِيثُ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ [[عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] ثُمَّ يَكُونُ [[في ت، س، أ: "ثم يكون".]] بَعْدَ هَذَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ، الَّتِي تَمُوتُ بِهَا الْأَحْيَاءُ كُلُّهُمْ مَا عَدَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْبَعْثِ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 50

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم، إلا صيحة واحدة تأخذهم، وذلك نفخة الفَزَع عند قيام الساعة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الآثار.

ذكر من قال ذلك، وما فيه من الأثر: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر، قالا ثنا عوف بن أبي جميلة عن أبي المغيرة القواس، عن عبد الله بن عمرو، قال: ليُنْفَخَنّ في الصور، والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يُرسله أحدهما من يده حتى يُنفَخ في الصور، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصُّور، وهي التي قال الله ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ ... الآية".

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ ذُكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: "تَهِيجُ السَّاعَةُ بالنَّاسِ وَالرَّجُلُ يَسْقِي ماشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يُقِيمُ سِلْعَتَهُ فِي سُوقِهِ والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ، وَتَهِيجُ بِهِمْ وَهُمْ كَذلكَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونِ ".

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال: النفخة نفخة واحدة.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عمن ذكره، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ الله لمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ، فأعْطاهُ إسْرافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلى فِيهِ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلى العَرْش يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ، قال أبو هريرة: يا رسول الله: وما الصور؟ قال: قَرْنٌ قال: وكَيْفَ هُوَ؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ، الأولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثَّانِيِةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ القِيام لِرَب العالَمِينَ، يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلَ بالنَّفْخَةِ الأولى فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وأهْلُ الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللهُ، ويَأْمُرُهُ اللهُ فَيُدِيمُهَا ويُطَوِّلُها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التي يَقُولُ اللهُ ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ثُمَّ يَأْمُرُ الله إسْرَافِيلُ بنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَيَقُولُ: انْفُخْ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيَصْعَقُ أهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللهُ، فإذَا هُمْ خَامِدُونَ، ثُمَّ يُمِيتُ مَنْ بَقِيَ، فَإِذاَ لمَْ يَبْقَ إِلا اللَّه الْوَاحِدُ الصَّمَدُ، بَدَّلَ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، فَيَبْسُطُهَا وَيَسْطَحُهَا، وَيَمُدُّهَا مَدَّ الأدِيمِ الْعُكَاظِي، لا تَرَى فِيهَا عِوَجا وَلا أَمْتا، ثُمَّ يَزْجُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ زَجْرَةً، فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الْمُبَدَّلَةِ فِي مِثْلِ مَوَاضِعِهِمْ مِنَ الأولى ما كانَ في بَطْنها كان في بَطْنِها، وَما كانَ على ظَهْرِها كانَ عَلى ظَهْرِها".

واختلفت القراء في قراءة قوله ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ فقرأ ذلك بعض قراء المدينة: ﴿وَهُمْ يَخْصّمُون﴾ بسكون الخاء وتشديد الصاد، فجمع بين الساكنين، بمعنى: يختصمون، ثم أدغم التاء في الصاد فجعلها صادا مشددة، وترك الخاء على سكونها في الأصل. وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: ﴿وَهُمْ يَخَصّمُون﴾ بفتح الخاء وتشديد الصاد بمعنى: يختصمون، غير أنهم نقلوا حركة التاء وهي الفتحة التي في يفتعلون إلى الخاء منها، فحرّكوها بتحريكها، وأدغموا التاء في الصاد وشددوها. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بكسر الخاء وتشديد الصاد، فكسروا الخاء بكسر الصاد وأدغموا التاء في الصاد وشددوها. وقرأ ذلك آخرون منهم: ﴿يَخْصِمُون﴾ بسكون الخاء وتخفيف الصاد، بمعنى ﴿يَفْعِلُون﴾ من الخصومة، وكأن معنى قارئ ذلك كذلك: كأنهم يتكلمون، أو يكون معناه عنده: كان وهم عند أنفسهم يَخْصِمُون مَن وعدهم مجيء الساعة، وقيام القيامة، ويغلبونه بالجدل في ذلك.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن هذه قراءات مشهورات معروفات في قرّاء الأمصار، متقاربات المعاني، فبأيتهنّ قرأ القارئ فمصيب.

* *

وقوله ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾

يقول تعالى ذكره: فلا يستطيع هؤلاء المشركون عند النفخ في الصُّور أن يوصوا في أموالهم أحدا ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ يقول: ولا يستطيع من كان منهم خارجا عن أهله أن يرجع إليهم، لأنهم لا يُمْهَلون بذلك. ولكن يُعَجَّلون بالهلاك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: فيما في أيديهم ﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال: أُعْجِلوا عن ذلك.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ... الآية، قال: هذا مبتدأ يوم القيامة، وقرأ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ حتى بلغ ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ .