سورة يس، الآية 66
الجزء 23، الصفحة 444.
وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ﴿٦٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يس
تفسير الآية
التفسير الميسر
ولو نشاء لطمسنا على أعينهم بأن نُذْهب أبصارهم، كما ختمنا على أفواههم، فبادَروا إلى الصراط ليجوزوه، فكيف يتحقق لهم ذلك وقد طُمِست أبصارهم؟
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 59 إلى 67
الآية 59: لمَّا ذَكَرَ تعالى جزاء المتَّقين؛ ذَكَرَ جزاء المجرمين، {و} أنَّهم يُقال لهم يوم القيامةِ: {امۡتازوا اليومَ أيُّها المجرمونَ}؛ أي: تميَّزوا عن المؤمنين، وكونوا على حِدَةٍ؛ ليوبِّخَهم ويُقَرِّعَهم على رؤوس الأشهادِ قبلَ أن يُدْخِلَهُمُ النار، فيقول لهم:
الآية 60:{ألمۡ أعۡهَدۡ إليكُم}؛ أي: آمرُكُم وأوصيكم على ألسنةِ رُسُلي وأقول لكم: {يا بَني آدمَ أن لا تَعۡبُدوا الشيطانَ}؛ أي: لا تطيعوه! وهذا التوبيخ يدخل فيه التوبيخُ عن جميع أنواع الكفرِ والمعاصي؛ لأنَّها كلها طاعةٌ للشيطان وعبادةٌ له، {إنَّه لكم عدوٌّ مُبينٌ}: فحذَّرتكم منه غايةَ التَّحذير، وأنذرتُكم عن طاعتِهِ، وأخبرتُكم بما يدعوكم إليه.
الآية 61:{و} أمرتُكم: أنْ تعبدوني بامتثال أوامري وترك زَواجِري. {هذا}؛ أي: عبادتي وطاعتي ومعصية الشيطان {صراطٌ مستقيمٌ}: فعُلوم الصراط المستقيم وأعمالُهُ ترجعُ إلى هذين الأمرين؛ أي: فلم تَحْفَظوا عهدي ولم تَعْمَلوا بوصِيَّتي، فواليتُم عدوَّكم.
الآية 62: فأضلَّ {منكم جِبِلاًّ كثيراً}؛ أي: خلقاً كثيراً. {أفلم تكونوا تعقلونَ}؛ أي: أفلا كان لكم عقلٌ يأمُرُكم بموالاة ربِّكم ووليِّكم الحقِّ، ويزجركم عن اتِّخاذ أعدى الأعداءِ لكم وليًّا؟ فلو كان لكم عقلٌ صحيحٌ؛ لما فعلتُم ذلك.
الآية 63: فإذْ أطعتُم الشيطان، وعاديتُم الرحمن، وكذَّبتم بلقائِهِ، ووردتُم القيامةَ دار الجزاء، وحقَّ عليكم القولُ بالعذاب، فَـ {هذه جهنَّمُ التي كنتُم توعَدونَ}: وتكذِّبون بها؛ فانظروا إليها عياناً! فهناك تنزعِجُ منهم القلوبُ، وتزوغُ الأبصارُ، ويحصُلُ الفزعُ الأكبرُ.
الآية 64: ثم يُكْمِلُ ذلك بأنْ يُؤْمَرَ بهم إلى النار، ويقالَ لهم:{اصۡلَوۡها اليوم بما كنتُم تكفُرونَ}؛ أي: ادخُلوها على وجه تَصْلاكُم، ويحيطُ بكم حرُّها، ويبلغُ منكم كلَّ مبلغ بسبب كفرِكُم بآيات الله وتكذيبِكُم لرسل الله.
الآية 65: قال تعالى في بيان وَصْفِهم الفظيع في دار الشقاء: {اليوم نَخۡتِمُ على أفواهِهِم}: بأن نَجْعَلَهم خُرْساً فلا يتكلمون، فلا يقدِرونَ على إنكارِ ما عَمِلوه من الكُفْرِ والتَّكْذيب. {وتُكَلِّمُنا أيۡديهم وتَشۡهَدُ أرجُلُهم بما كانوا يَكۡسِبونَ}؛ أي: تشهد عليهم أعضاؤُهم بما عملوه، ويُنْطِقُها الذي أنطقَ كلَّ شيءٍ.
الآية 66:{ولو نشاءُ لَطَمَسۡنا على أعيُنِهم}: بأن نُذْهِبَ أبصارَهم كما طَمَسْنا على نُطْقِهِم؛ {فاسۡتَبَقوا الصراطَ}؛ أي: فبادروا إليه؛ لأنَّه الطريق إلى الوصول إلى الجنة. {فأنَّى يُبۡصِرونَ}: وقد طُمِسَتْ أبصارُهم؟!
الآية 67:{ولو نشاءُ لَمَسَخۡناهم على مَكانَتِهِم}؛ أي: لأذْهَبْنا حَرَكَتَهم، {فما استطاعوا مُضِيًّا}: إلى الأمام، {ولا يرجِعونَ}: إلى ورائِهِم، ليبعدُوا عن النار. والمعنى: أنَّ هؤلاء الكفار حقَّتْ عليهم كلمةُ العذاب، ولم يكن بدٌّ من عقابهم، وفي ذلك الموطن ما ثَمَّ إلاَّ النار قد بُرِّزَتْ، وليس لأحدٍ نجاةٌ إلا بالعبور على الصراط، وهذا لا يستطيعه إلاَّ أهلُ الإيمان الذين يمشونَ في نورِهِم، وأمَّا هؤلاء؛ فليس لهم عند الله عهدٌ في النجاة من النار؛ فإنْ شاء؛ طمس أعْيُنَهم، وأبقى حَرَكَتَهم فلم يَهْتَدوا إلى الصراطِ لو اسْتَبَقوا إليه وبادروه، وإن شاء؛ أذهبَ حِراكهم فلم يَسْتَطيعوا التقدُّم ولا التأخُّر، المقصودُ أنَّهم لا يَعْبُرونه، فلا تحصُلُ لهم النجاةُ.
تفسير الجلالين
﴿ولَوْ نَشاء لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنهمْ﴾ لَأَعْمَيْناها طَمْسًا ﴿فاسْتَبَقُوا﴾ ابْتَدَرُوا ﴿الصِّراط﴾ الطَّرِيق ذاهِبِينَ كَعادَتِهِمْ ﴿فَأَنّى﴾ فَكَيْفَ ﴿يُبْصِرُونَ﴾ حِينَئِذٍ ؟ أيْ لا يُبْصِرُونَ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 63 إلى 67
يُقَالُ لِلْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ برزَت الْجَحِيمُ لَهُمْ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أَيْ: هَذِهِ الَّتِي حَذَّرَتْكُمُ الرُّسُلُ فَكَذَّبْتُمُوهُمْ، ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطُّورِ: ١٣-١٥] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ : هَذَا حَالُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حِينَ يُنْكِرُونَ مَا اجْتَرَمُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَحْلِفُونَ مَا فَعَلُوهُ، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ بِمَا عَمِلَتْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مِنْجَاب بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدٍ المُكتب، عَنِ الفُضَيْل بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، [[في ت: "روى النسائي ومسلم".]] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَضْحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَتُدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ " قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: رَبِّ [[في ت، س: "يارب".]] أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: لَا أُجِيزُ عَلَيَّ إِلَّا شاهدًا من نفسي.
فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسيبًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ [[في ت: "الكاتبين عليك".]] شُهُودًا. فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، ويُقال لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي. فَتَنْطِقُ بِعَمَلِهِ، ثُمَّ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، فَيَقُولُ: بُعدًا لَكُنَّ وسُحقًا، فعنكنَّ كنتُ أُنَاضِلُ".
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بكرِ بنِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ -هُوَ الثَّوْرِيِّ-بِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٩٦٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٦٥٣) .]] ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ: [لَا أَعْلَمُ [[في س: "ما أعلم".]] أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ غَيْرَ الْأَشْجَعِيِّ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَامِرٍ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَمْرٍو الْأَسَدِيِّ -وَهُوَ العَقَدِيّ-عَنْ سُفْيَانَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ بَهز [[في ت، س: "يزيد"، وفي أ: "زيد".]] بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تُدْعَون مُفَدَّمة [[في س: "مفدما".]] أَفْوَاهُكُمْ بالفِدَام، فَأَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْ أَحَدِكُمْ فَخِذُهُ وَكَتِفُهُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] [[زيادة من ت، س، والسنن الكبرى.]] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، بِهِ. [[النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٦٩) .]]
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُهَيل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْقِيَامَةِ الطَّوِيلِ، قَالَ فِيهِ: "ثُمَّ يَلْقَى [[في ت: "يأتي".]] الثَّالِثَ فَيَقُولُ: مَا أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَبْدُكَ، آمَنْتُ بِكَ وَبِنَبِيِّكَ وَبِكِتَابِكَ، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ وَتَصَدَّقْتُ -وَيَثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ-قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا نَبْعَثُ عَلَيْكَ شَاهِدَنَا [[في ت، أ: "شاهدا".]] ؟ قَالَ: فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ، مِنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فيُختَم عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انْطِقِي. فَتَنْطِقُ [[في ت، س: "قال فتنطق".]] فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ لِيُعْذَرَ مِنْ نَفْسِهِ. وَذَلِكَ الَّذِي سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ".
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ بِطُولِهِ. [[صحيح مسلم برقم (٢٩٦٨) وسنن أبي داود برقم (٤٧٣٠) .]]
ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا ضَمْضَم بْنُ زُرْعَة عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيْدٍ، [[في ت: "وروى الإمام أحمد".]] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُختَم عَلَى الْأَفْوَاهِ، فَخذُه مِنَ الرِّجل الْيُسْرَى". [[في ت: "الشمال".]] .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، بِهِ مِثْلُهُ. [[تفسير الطبري (٢٣/١٧) .]]
وَقَدْ جَوَّد إِسْنَادَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ ضَمْضَم بْنِ زُرْعَة، عَنْ شُرَيْح بْنِ عُبَيد الْحَضْرَمِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثه عَنْ عُقْبَةَ بن عامر؛ أنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ عَظْمٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يَتَكَلَّمُ يَوْمَ يُختَم عَلَى الْأَفْوَاهِ، فَخذه مِنَ الرِّجْلِ الشِّمَالِ". [[المسند (٤/١٥١) وقال الهيثمي في المجمع (١/٣٥١) : "إسناده جبد".]]
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيد، عَنْ حُمَيد بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَ أَبُو مُوسَى [[في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن أبي موسى.]] هُوَ الْأَشْعَرِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: يُدعى الْمُؤْمِنُ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَعْرضُ عَلَيْهِ [[في ت، أ: "على".]] رَبُّه عملَه فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَيَعْتَرِفُ [[في ت: "فيعرف".]] فَيَقُولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، عملتُ عملتُ عَمِلْتُ. قَالَ: فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَيَسْتُرُهُ مِنْهَا. قَالَ: فَمَا عَلَى الْأَرْضِ خَليقة تَرَى [[في ت: "يرى".]] مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ شَيْئًا، وَتَبْدُو حَسَنَاتُهُ، فَوَدَّ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَرَوْنَهَا، ويُدعى الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لِلْحِسَابِ، فَيَعرضُ رَبُّه عَلَيْهِ عَمَلَهُ، فَيَجْحَدُ وفيقول: أَيْ رَبِّ، وَعَزَّتِكَ لَقَدْ كَتَبَ عَلَيَّ هَذَا الْمَلَكُ مَا لَمْ أَعْمَلْ. فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: أَمَا عَمِلْتَ كَذَا، فِي يَوْمِ كَذَا، فِي مَكَانِ كَذَا؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ أيْ رَبِّ مَا عملتُه. فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خُتِم عَلَى فِيهِ. قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: فَإِنِّي أَحْسَبُ أَوَّلَ مَا يَنْطِقُ مِنْهُ الْفَخِذُ [[في ت، س: "لفخده".]] الْيُمْنَى، ثُمَّ تَلَا ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [[تفسير الطبرى (٢٣/١٧) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا: يَقُولُ: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَضْلَلْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى، فَكَيْفَ يَهْتَدُونَ؟ وَقَالَ مُرَّةُ [[في أ: "غيره".]] : أَعْمَيْنَاهُمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَطَمَسَ عَلَى أَعْيُنِهِمْ، فَجَعَلَهُمْ عُميًا يَتَرَدَّدُونَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَوْ شِئْنا أَعْمَيْنَا أَبْصَارَهُمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ يَعْنِي: الطَّرِيقَ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي بِالصِّرَاطِ هَاهُنَا: الْحَقَّ، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ وَقَدْ طَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ؟
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ ] يَقُولُ] [[زيادة من أ.]] : لَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِم﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَهْلَكْنَاهُمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: لَغَيَّرْنَا خَلْقَهم.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: لَجَعَلْنَاهُمْ حِجَارَةً.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: لَأَقْعَدَهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ أَيْ: إِلَى أَمَامٍ، ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أَيْ: إِلَى وَرَاءٍ، بَلْ يَلْزَمُونَ حالا واحدًا، لا يتقدمون ولا يتأخرون.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 66 إلى 67
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المَحَجَّة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ يقول: أضللتهم وأعميتهم عن الهدى وقال آخرون: معنى ذلك: ولو نشاء لتركناهم عميا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ قال: لو يشاء لطمس على أعينهم فتركهم عميًا يترددون.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) يقول: لو شئنا لتركناهم عميا يترددون. وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام، لأن الله إنما تهدد به قومًا كفارا، فلا وجه لأن يقال: وهم كفار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم فصيرناهم عميا لا يبصرون طريقا، ولا يهتدون له؛ والطَّمْس على العين: هو أن لا يكون بين جفني العين غرٌّ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين [[كذا في مجاز القرآن لأبي عبيدة (مصورة الجامعة، الورقة ٢٠٧) .]] كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى مطموس وطميس.
* *
وقوله ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾
يقول: فابتدروا الطريق.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ قال الطريق.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ أي: الطريق.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ قال: الصراط، الطريق.
* *
وقوله ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾
يقول: فأي وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق، وقد طمسنا على أعينهم.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ وقد طمسنا على أعينهم.
وقال الذين وجهوا تأويل قوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ إلى أنه معني به العمى عن الهدى، تأويل قوله ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ : فأنى يهتدون للحق
ذكر من قال ذلك:
-حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: فكيف يهتدون.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: لا يبصرون الحق.
* *
وقوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾
يقول تعالى ذكره: ولو نشاء لأقعدنا هؤلاء المشركين من أرجلهم في منازلهم ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ يقول: فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا أن يرجعوا وراءهم.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا في ذلك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ قال: لو نشاء لأقعدناهُمْ.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد عن قتادة ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: لأقعدناهم على أرجلهم ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ فلم يستطيعوا أن يتقدموا ولا يتأخروا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو نشاء لأهلكناهم في منازلهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ يقول: ولو نشاء أهلكناهم في مساكنهم، والمكانة والمكان بمعنى واحد. وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل.