سورة القرآن surah-quran.com

سورة يونس

سورة يونس، الآية 54

الجزء 11، الصفحة 215.

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٥٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولو أن لكل نفس أشركت وكفرت بالله جميع ما في الأرض، وأمكنها أن تجعله فداءً لها من ذلك العذاب لافتدت به، وأخفى الذين ظلموا حسرتهم حين أبصروا عذاب الله واقعًا بهم جميعًا، وقضى الله عز وجل بينهم بالعدل، وهم لا يُظلَمون؛ لأن الله تعالى لا يعاقب أحدًا إلا بذنبه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 53 إلى 56

الآية 53: يقول تعالى لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {ويستنبئونك أحقٌّ هو}؛ أي: يستخبرك المكذِّبون على وجه التعنُّت والعناد لا على وجه التبيُّن والاسترشاد. {أحقٌّ هو}؛ أي: أصحيح حشر العباد وبعثهم بعد موتهم ليوم المعاد وجزاء العباد بأعمالهم إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ؟ {قل}: لهم مقسماً على صحَّته مستدلاًّ عليه بالدليل الواضح والبرهان: {إي ورَبِّي إنَّه لحقٌّ}: لا مِرْيَةَ فيه ولا شبهة تعتريه، {وما أنتُم بمعجِزين}: لله أن يبعثكم؛ فكما ابتدأ خلقكم ولم تكونوا شيئاً؛ كذلك يعيدكم مرَّة أخرى ليجازِيَكم بأعمالكم.

الآية 54:{و} إذا كانت القيامة، فلو {أنَّ لكلِّ نفس ظلمتۡ}: بالكفر والمعاصي جميع {ما في الأرض}: من ذهب وفضَّة وغيرهما؛ لتفتدي به من عذاب الله، {لافتدتۡ به}: ولما نَفَعَها ذلك، وإنما النفع والضُّرُّ والثواب والعقاب على الأعمال الصالحة والسيئة، {وأسرُّوا}؛ أي: الذين ظلموا، {الندامةَ لما رأوا العذابَ}: ندموا على ما قدَّموا ولات حين مناص، {وقُضِيَ بينهم بالقِسۡطِ}؛ أي: العدل التامِّ الذي لا ظلم ولا جور فيه بوجه من الوجوه.

الآية 55:{ألا إن لله ما في السموات والأرض}: يحكم فيهم بحكمه الدينيِّ والقَدَريِّ، وسيحكم فيهم بحكمه الجزائيِّ، ولهذا قال:{ألا إنَّ وعدَ الله حقٌّ ولكن أكثرهم لا يعلمون}: فلذلك لا يستعدُّون للقاء الله، بل ربَّما لم يؤمنوا به، وقد تواترت عليه الأدلَّة القطعيَّة والبراهين النقليَّة والعقليَّة.

الآية 56:{هو يُحيي ويُميتُ}؛ أي: هو المتصرِّف بالإحياء والإماتة وسائر أنواع التدابير لا شريك له في ذلك. {وإليه تُرجعون}: يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم خيرها وشرِّها.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْس ظَلَمَتْ﴾ كَفَرَتْ ﴿ما فِي الأَرْض﴾ جَمِيعًا مِن الأَمْوال ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ مِن العَذاب يَوْم القِيامَة ﴿وأَسَرُّوا النَّدامَة﴾ عَلى تَرْك الإيمان ﴿لَمّا رَأَوْا العَذاب﴾ أخْفاها رُؤَساؤُهُمْ عَنْ الضُّعَفاء الَّذِينَ أضَلُّوهُمْ مَخافَة التَّعْيِير ﴿وقُضِيَ بَيْنهمْ﴾ بَيْن الخَلائِق ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ ﴿وهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ شَيْئًا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 53 إلى 54

يَقُولُ تَعَالَى: وَيَسْتَخْبِرُونَكَ ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أَيْ: الْمَعَادُ وَالْقِيَامَةُ مِنَ الْأَجْدَاثِ بَعْدَ صَيْرُورَةِ الْأَجْسَامِ تُرَابًا. ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أَيْ: لَيْسَ صَيْرُورَتُكُمْ تُرَابًا بِمُعْجِزِ اللَّهِ عَنْ إِعَادَتِكُمْ كَمَا بَدَأَكُمْ مِنَ الْعَدَمِ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . [[في ت: "إنما قوله" والصواب مل أثبتناه.]]

وَهَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا آيَتَانِ أُخْرَيَانِ، يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ أَنْ يُقْسِمَ بِهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْمَعَادَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سَبَأٍ: ٣] . وَفِي التَّغَابُنِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ٧] .

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ يَوَدُّ الْكَافِرُ لَوِ افْتَدَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِمَلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أَيْ: بِالْحَقِّ، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 54 إلى 55

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو أن لكل نفس كفرت بالله = و"ظلمها"، في هذا الموضع، عبادتُها غيرَ من يستحق عبادته، [[في المطبوعة: " من يستحق عبادة "، غير ما في المخطوطة.]] وتركها طاعة من يجب عليها طاعته= ﴿ما في الأرض﴾ ، من قليل أو كثير= ﴿لافتدت به﴾ ، يقول: لافتدت بذلك كلِّه من عذاب الله إذا عاينته [[انظر تفسير " الافتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (فدى) .]] = وقوله: ﴿وأسروا الندامة لما رأوا العذاب﴾ ، يقول: وأخفتْ رؤساء هؤلاء المشركين من وضعائهم وسفلتهم الندامةَ حين أبصرُوا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيقنوا أنه واقع بهم = ﴿وقضي بينهم بالقسط﴾ ، يقول: وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل [[انظر تفسير " القسط " فيما سلف ص: ٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وهم لا يظلمون﴾ ، وذلك أنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا بجريرته، ولا يأخذه بذنب أحدٍ، ولا يعذِّب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وأنذر وتابع عليه الحجج.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ذكره: ألا إنّ كل ما في السموات وكل ما في الأرض من شيء، لله مِلْك، لا شيء فيه لأحدٍ سواه. يقول: فليس لهذا الكافر بالله يومئذٍ شيء يملكه فيفتدي به من عذاب ربّه، وإنما الأشياء كلها للذي إليه عقابه. ولو كانت له الأشياء التي هي في الأرض ثم افتدى بها، لم يقبل منه بدلا من عذابه، فيصرف بها عنه العذاب، فكيف وهو لا شيء له يفتدى به منه، وقد حقَّ عليه عذاب الله؟ يقول الله جل ثناؤه: ﴿ألا إن وعد الله حق﴾ ، يعني أن عذابه الذي أوعد هؤلاء المشركين على كفرهم حقٌّ، فلا عليهم أن لا يستعجلوا به، فإنه بهم واقع لا شك = ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ، يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون حقيقةَ وقوع ذلك بهم، فهم من أجل جهلهم به مكذِّبون.