سورة القرآن surah-quran.com

سورة يونس

سورة يونس، الآية 58

الجزء 11، الصفحة 215.

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿٥٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

قل -أيها الرسول- لجميع الناس: بفضل الله وبرحمته، وهو ما جاءهم من الله من الهدى ودين الحق وهو الإسلام، فبذلك فليفرحوا؛ فإن الإسلام الذي دعاهم الله إليه، والقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 57 إلى 58

الآية 57: يقول تعالى مرغِّباً للخلقِ في الإقبال على هذا الكتاب الكريم بذكْر أوصافه الحسنة الضروريَّة للعباد فقال: {يا أيُّها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربِّكم}؛ أي: تعظكم وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله، المقتضية لعقابه، وتحذِّركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها، {وشفاءٌ لما في الصدور}: وهو هذا القرآن، شفاءٌ لما في الصدور من أمراض الشهوات الصَّادة عن الانقياد للشرع، وأمراض الشُّبهات القادحة في العلم اليقينيِّ؛ فإنَّ ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وُجِدَتْ فيه الرغبة في الخير والرَّهبة عن الشرِّ ونمتا على تكرُّر ما يرد إليها من معاني القرآن؛ أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي اللهَ أحبَّ إلى العبد من شهوة نفسه، وكذلك ما فيه من البراهين والأدلَّة التي صرَّفها الله غاية التصريف وبيَّنها أحسن بيان مما يزيل الشُّبه القادحة في الحقِّ ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين، وإذا صحَّ القلب من مرضه، ورَفَلَ بأثواب العافية؛ تبعتْه الجوارحُ كلُّها؛ فإنها تصلُح بصلاحه وتفسُد بفساده.{وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين}: فالهدى هو العلم بالحقِّ والعمل به، والرحمةُ هي ما يحصل من الخير والإحسان والثواب العاجل والآجل لمن اهتدى به؛ فالهدى أجلُّ الوسائل، والرحمةُ أكملُ المقاصد والرغائب، ولكنْ لا يهتدي به ولا يكون رحمةً إلاَّ في حقِّ المؤمنين، وإذا حصل الهدى وحلَّت الرحمة الناشئة عنه؛ حصلت السعادةُ والفلاح والربح والنجاح والفرح والسرور.

الآية 58: ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك، فقال:{قلۡ بفضل الله}: الذي هو القرآنُ، الذي هو أعظم نعمة ومِنَّة وفضل تفضَّل الله به على عباده، ورحمتِهِ: الدين والإيمان وعبادة الله ومحبَّته ومعرفته. {فبذلك فَلۡيَفۡرَحوا هو خيرٌ مما يجمعون}: من متاع الدُّنيا ولذَّاتها؛ فنعمة الدين المتَّصلة بسعادة الدارين لا نسبة بينها وبين جميع ما في الدُّنيا مما هو مضمحلٌّ زائل عن قريب. وإنَّما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته؛ لأنَّ ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها وشكرها لله تعالى وقوَّتها وشدَّة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا فرحٌ محمودٌ؛ بخلاف الفرح بشهوات الدُّنيا ولذَّاتها أو الفرح بالباطل؛ فإنَّ هذا مذمومٌ؛ كما قال تعالى عن قوم قارون له:{لا تَفۡرَحۡ إنَّ الله لا يحبُّ الفرحين}، وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل:{فلَّما جاءتۡهم رسلُهم بالبيِّناتِ فرحوا بما عندَهم من العلم}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّه﴾ الإسْلام ﴿وبِرَحْمَتِهِ﴾ القُرْآن ﴿فَبِذَلِكَ﴾ الفَضْل والرَّحْمَة ﴿فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن الدُّنْيا بِالياءِ والتّاء

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 57 إلى 58

يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى خَلْقِهِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أَيْ: مِنَ الشُبَه وَالشُّكُوكِ، وَهُوَ إِزَالَةُ مَا فِيهَا مِنْ رِجْسٍ ودَنَس، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أَيْ: محصلٌ لَهَا الْهِدَايَةُ وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُصَدِّقِينَ الْمُوقِنِينَ بِمَا فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٨٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [[في ت: "وبرحمة".]] أَيْ: بِهَذَا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [[في أ: "الله".]] فَلْيَفْرَحُوا، فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا يَفْرَحُونَ بِهِ، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنَ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ الذَّاهِبَةِ لَا مَحَالَةَ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: "وذُكِر عَنْ بَقيَّة [[في ت: "ذكر عن نفسه".]] -يَعْنِي ابْنَ الْوَلِيدِ -عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ أَيْفَعَ بْنَ عَبْدٍ الْكُلَاعِيَّ يَقُولُ: لَمَّا قُدم خراجُ الْعِرَاقِ إِلَى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَرَجَ عُمَرُ وَمَوْلًى لَهُ فَجَعَلَ عُمَرُ يَعُدُّ الْإِبِلَ، فَإِذَا هِيَ [[في أ: "هو".]] أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَقُولُ مَوْلَاهُ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ. لَيْسَ هَذَا، هُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وَهَذَا مِمَّا يَجْمَعُونَ.

وَقَدْ [[في ت: "وهذا".]] أَسْنَدَهُ [[في أ: "أسند".]] الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ حَيوة بْنِ شُرَيح، عَنْ بَقِيَّةَ، فَذَكَرَهُ. [[أورده السيوطي في الدر المنثور (٤/٣٦٨) وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني.]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المكذِّبين بك وبما أنزل إليك من عند ربك= [[في المطبوعة والمخطوطة: " لهؤلاء المشركين بك "، وهو فاسد جدًا، ورجحت أن الصواب ما أثبت.]] ﴿بفضل الله﴾ ، أيها الناس، الذي تفضل به عليكم، وهو الإسلام، فبيَّنه لكم، ودعاكم إليه = ﴿وبرحمته﴾ ، التي رحمكم بها، فأنزلها إليكم، فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، وبصَّركم بها معالم دينكم، وذلك القرآن = ﴿فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ ، يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٦٦٨- حدثني علي بن الحسن الأزدي قال، حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ، قال: بفضل الله القرآن ﴿وبرحمته﴾ أن جعَلَكم من أهله. [[الأثر: ١٧٦٦٨- " علي بن الحسن الأزدي " شيخ الطبري، مضى برقم: ١٠٢٥٨، وأننا لم نجد له ترجمة. وكان في المطبوعة هنا "بن الحسين" وهو خطأ، وقع مثله عندنا في هامش التعليق علىالأثر المذكور ٩: ٩٨، تعليق: ١]]

١٧٦٦٩- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل، عن منصور، عن هلال بن يساف: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ، قال: بالإسلام الذي هداكم، وبالقرآن الذي علّمكم.

١٧٦٧٠- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ ، قال: بالإسلام والقرآن= ﴿فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ ، من الذهب والفضَّة.

١٧٦٧١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ ، قال: "فضل الله"، الإسلام، و"رحمته"، القرآن.

١٧٦٧٢- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا زيد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، في قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ ، قال: الإسلام والقرآن.

١٧٦٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف مثله.

١٧٦٧٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال، مثله.

١٧٦٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ، أما فضله فالإسلام، وأما رحمته فالقرآن.

١٧٦٧٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ ، قال: فضله: الإسلام، ورحمته القرآن.

١٧٦٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ ، قال: القرآن.

١٧٦٧٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وبرحمته﴾ ، قال: القرآن.

١٧٦٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: ﴿هو خير مما يجمعون﴾ ، قال: الأموال وغيرها.

١٧٦٨٠- حدثنا علي بن داود قال، حدثني أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ يقول: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

١٧٦٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ، قال: بكتاب الله، وبالإسلام= ﴿هو خير مما يجمعون﴾ .

* *

وقال آخرون: بل "الفضل": القرآن= و"الرحمة"، الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

١٧٦٨٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ ، قال: ﴿بفضل الله﴾ ، القرآن، ﴿وبرحمته﴾ ، حين جعلهم من أهل القرآن.

١٧٦٨٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: "فضل الله"، القرآن، و"رحمته"، الإسلام.

١٧٦٨٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون، قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ قال: ﴿بفضل الله﴾ القرآن، ﴿وبرحمته﴾ ، الإسلام.

١٧٦٨٥- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ ، قال: كان أبي يقول: فضله القرآن، ورحمته الإسلام.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ .

فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالياء أيضًا على التأويل الذي تأولناه، من أنه خبر عن أهل الشرك بالله. يقول: فبالإسلام والقرآن الذي دعاهم إليه، فليفرح هؤلاء المشركون، لا بالمال الذي يجمعون، فإن الإسلام والقرآن خيرٌ من المال الذي يجمعون، وكذلك:-

١٧٦٨٦- حدثت عن عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن أبي التيّاح: ﴿فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ ، يعني الكفار.

* *

ورُوي عن أبيّ بن كعب في ذلك ما:-

١٧٦٨٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب: أنه كان يقرأ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خُيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، بالتاء.

١٧٦٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، مثل ذلك.

* *

وكذلك كان الحسن البصري يقول: غير أنه فيما ذُكر عنه كان يقرأ قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، بالياء؛ الأول على وجه الخطاب، والثاني على وجه الخبر عن الغائب.

* *

وكان أبو جعفر القارئ، فيما ذكر عنه، يقرأ ذلك نحو قراءة أبيّ، بالتاء جميعًا.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار من قراءة الحرفين جميعًا بالياء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ لمعنيين:

أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه.

والثاني: صحته في العربية، وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء، وإنما تأمره فتقول: "افعل ولا تفعل".

وبعدُ، فإني لا أعلم أحدًا من أهل العربية إلا وهو يستردئ أمر المخاطب باللام، ويرى أنها لغة مرغوب عنها، غير الفراء، فإنه كان يزعم أن الّلام في الأمر [هي البناء الذي خلق له] ، [[في المطبوعة: " أن اللام في ذي التاء الذي خلق له "، وهو كلام ساقط بمرة واحدة. وكان في المخطوطة: " أن اللام هي البناء. . . "، والزيادة التي بين القوسين من عندي، لأن الناسخ أسقط: كما هو ظاهر. واستظهرت ذلك من كتاب الفراء، وهذا كله نصه، كما سيأتي.]] واجهتَ به أم لم تُوَاجِهْ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجَه، لكثرة الأمر خاصةً في كلامهم، كما حذَفوا التاء من الفعل. قال: وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حُذِفت التاء ذهبت اللام، وأُحدِثَت الألف في قولك: "اضرب" و"افرح"، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكنٍ، فأدخلوا ألفًا خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ﴿ادَّارَكُوا﴾ ، [سورة الأعراف: ٣٨] [[في المطبوعة: " ادراكتم "، وفي المخطوطة " قالوا: ادراكوا واثاقلتم "، وأثبت نص الفراء.]]

و ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٣٨] . [[هذا كله نص الفراء في معاني القرآن ١: ٤٦٩.]]

وهذا الذي اعتلّ به الفراء عليه لا له، وذلك أن العَرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجَه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يُدْخِل فيها ما ليس منه ما دام متكلِّمًا بلغتها. فإن فعل ذلك، كان خارجًا عن لغتها، وكتابُ الله الذي أنزله على محمد بلسانها، [[في المطبوعة: " وكلام الله "، والجيد ما في المخطوطة.]] فليس لأحدٍ أن يتلوه إلا بالأفصح من كلامها، وإن كان معروفًا بعضُ ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حيّ ولا قبيلة منها؟ وإنما هو دعوى لا تثبتُ بها [حجّة] ولا صحة. [[في المطبوعة: " لا ثبت بها ولا حجة "، وفي المخطوطة: " لا تثبت بها ولا صحة " فزدت " حجة " بين القوسين، لاقتضاء السياق إياها.]]