سورة يونس، الآية 70
الجزء 11، الصفحة 216.
مَتَـٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ﴿٧٠﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يونس
تفسير الآية
التفسير الميسر
إنما يتمتعون في الدنيا بكفرهم وكذبهم متاعًا قصيرًا، ثم إذا انقضى أجلهم فإلينا مصيرهم، ثم نذيقهم عذاب جهنم؛ بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم رسل الله، وجحدهم آياته.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 68 إلى 70
الآية 68: يقول تعالى مخبراً عن بهت المشركين لربِّ العالمين: {قالوا اتَّخذ الله ولداً}: فنزَّه نفسه عن ذلك بقوله: {سبحانه}؛ أي: تنزه عما يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه علوًّا كبيراً. ثم برهن عن ذلك بعدة براهين: أحدها قوله: {هو الغنيُّ}؛ أي: الغِنَى منحصرٌ فيه، وأنواع الغنى مستغرقة فيه؛ فهو الغني الذي له الغنى التامُّ بكل وجه واعتبار من جميع الوجوه؛ فإذا كان غنيًّا من كل وجه؛ فلأيِّ شيء يتَّخذ الولد؟! ألحاجة منه إلى الولد؟ فهذا منافٍ لغناه؛ فلا يتَّخِذ أحدًا ولداً إلا لنقص في غناه؟! البرهان الثاني قوله:{له ما في السموات وما في الأرض}: وهذه كلمة جامعة عامةٌ، لا يخرج عنها موجودٌ من أهل السماوات والأرض، الجميع مخلوقون عبيدٌ مماليك، ومن المعلوم أن هذا الوصفَ العامَّ ينافي أن يكون له [منهم] ولدٌ؛ فإنَّ الولد من جنس والده، لا يكون مخلوقاً ولا مملوكاً؛ فملكيَّته لما في السماوات والأرض عموماً تنافي الولادة. البرهان الثالث قوله:{إن عندكم من سُلطانٍ بهذا}؛ أي: هل عندكم من حجَّةٍ وبرهان يدلُّ على أنَّ لله ولداً؟! فلو كان لهم دليلٌ؛ لأبدَوْه، فلما تحدَّاهم وعجَّزهم عن إقامة الدليل؛ عُلم بطلان ما قالوه، وأنَّ ذلك قولٌ بلا علم، ولهذا قال:{أتقولون على الله ما لا تعلمون}: فإنَّ هذا من أعظم المحرَّمات.
{69 ـ 70}{قل إنَّ الذين يفترون على الله الكذبَ لا يفلحون}؛ أي: لا ينالون مطلوبهم ولا يحصُل لهم مقصودهم، وإنما يتمتَّعون في كفرهم وكذبهم في الدُّنيا قليلاً، ثم ينتقلون إلى الله ويرجعون إليه، فيذيقهم {العذاب الشديد بما كانوا يكفرون}، وما ظلمهم الله، ولكن أنفسهم يظلمون.
تفسير الجلالين
لَهُمْ ﴿مَتاع﴾ قَلِيل ﴿فِي الدُّنْيا﴾ يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مُدَّة حَياتهمْ ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعهمْ﴾ بِالمَوْتِ ﴿ثُمَّ نُذِيقهُمْ العَذاب الشَّدِيد﴾ بَعْد المَوْت
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 68 إلى 70
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ وَلَدًا: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أَيْ: تَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ، هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ مِمَّا خَلَقَ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَمْلُوكٌ لَهُ، عَبْدٌ لَهُ؟! ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أَيْ: لَيْسَ عِنْدَكُمْ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَقُولُونَهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ! ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إِنْكَارٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، وَتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ -٩٥] .
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ الْمُفْتَرِينَ، مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَهُ وَلَدًا، بِأَنَّهُمْ لَا يُفْلِحُونَ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ إِذَا اسْتَدْرَجَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ مَتَّعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ، كَمَا قال ها هنا: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ أَيْ: الْمُوجِعَ الْمُؤْلِمَ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ وَكَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ، فِيمَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْإِفْكِ وَالزُّورِ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 69 إلى 70
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ يا محمد، لهم ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ ، فيقولون عليه الباطل، ويدّعون له ولدًا [[انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة (فرى) .]] = ﴿لا يفلحون﴾ ، يقول: لا يَبْقَون في الدنيا [[انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص: ٤٦،، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
، ولكن لهم متاع في الدنيا يمتعون به، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذي كُتِب فناؤهم فيه [[انظر تفسير " المتاع " فيما سلف ص: ٥٣،، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم إلينا مرجعهم﴾ ، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم، إلينا مصيرهم ومنقلبهم [[انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
= ﴿ثم نذيقهم العذاب الشديد﴾ ، وذلك إصلاؤهم جهنم [[انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ص: ١٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا يكفرون﴾ بالله في الدنيا، فيكذبون رسله، ويجحدون آياته.
* *
ورفع قوله: ﴿متاع﴾ بمضمر قبله إما "ذلك"، وإما "هذا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٢، وفيه ": إما (هو) ، وإما (ذاك) ".]]