سورة يونس، الآية 81
الجزء 11، الصفحة 218.
فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿٨١﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يونس
تفسير الآية
التفسير الميسر
فلما ألقَوا حبالهم وعصيَّهم قال لهم موسى: إنَّ الذي جئتم به وألقيتموه هو السحر، إن الله سيُذْهب ما جئتم به وسيُبطله، إن الله لا يصلح عمل مَن سعى في أرض الله بما يكرهه، وأفسد فيها بمعصيته.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 75 إلى 93
الآية 75: أي: ثم بعثْنا من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلهم الله إلى القوم المكذِّبين المهلَكين {موسى}: ابن عمران كليم الرحمن أحد أولي العزم من المرسلين وأحد الكبار المقتدى بهم المنزَّل عليهم الشرائع المعظَّمة الواسعة. {و} جعلنا معه أخاه {هارون} وزيراً. بعثناهما {إلى فرعون ومَلَئِهِ}؛ أي: كبار دولته ورؤسائهم؛ لأنَّ عامتهم تَبَعٌ للرؤساء، {بآياتنا}: الدالة على صدق ما جاء به من توحيد الله والنهي عن عبادة ما سوى الله تعالى. {فاستكبروا}: عنها ظلماً وعلوًّا بعدما استيقنوها، {وكانوا قوماً مجرِمين}؛ أي: وصفهم الإجرام والتكذيب.
الآية 76:{فلما جاءهم الحقُّ من عندنا}: الذي هو أكبر أنواع الحقِّ وأعظمُها، وهو من عند الله، الذي خضعت لعظمته الرقاب، وهو ربُّ العالمين المربِّي جميع خلقه بالنعم، فلما جاءهم الحقُّ من عند الله على يد موسى؛ ردُّوه فلم يقبلوه، و {قالوا إنَّ هذا لسحرٌ مبينٌ}: لم يكفهم قبحهم الله إعراضهم ولا ردُّهم إياه، حتى جعلوه أبطل الباطل، وهو السحر الذي حقيقته التمويه، بل جعلوه سحراً مبيناً ظاهراً، وهو الحقُّ المبين.
الآية 77: ولهذا {قال} لهم {موسى} موبخاً لهم عن ردِّهم الحقَّ الذي لا يردُّه إلا أظلم الناس: {أتقولون للحقِّ لما جاءكم}؛ أي: أتقولون: إنَّه سحرٌ مبينٌ. {أسحرٌ هذا}؛ أي: فانظروا وصفه وما اشتمل عليه؛ فبمجرَّد ذلك يجزم بأنه الحق، {ولا يفلح الساحرون}: لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له الفلاحُ وعلى يديه النجاحُ، وقد علموا بعد ذلك وظهر لكلِّ أحدٍ أن موسى عليه السلام هو الذي أفلح، وفاز بظَفَر الدُّنيا والآخرة.
الآية 78:{قالوا} لموسى رادِّين لقوله بما لا يرد به: {أجئتنا لِتَلۡفِتَنا عمَّا وَجَدۡنا عليه آباءنا}؛ أي: أجئتنا لتصدَّنا عما وَجَدْنا عليه آباءنا من الشرك وعبادة غير الله وتأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له؛ فجعلوا قول آبائهم الضالين حجَّة يردُّون بها الحقَّ الذي جاءهم به موسى عليه السلام. وقوله:{وتكون لكما الكبرياءُ في الأرض}؛ أي: وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء ولتخرِجونا من أراضينا؟ وهذا تمويهٌ منهم وترويجٌ على جهالهم وتهييجٌ لعوامِّهم على معاداة موسى وعدم الإيمان به، وهذا لا يحتجُّ به من عرف الحقائق وميَّز بين الأمور؛ فإنَّ الحجج لا تُدفَعُ إلا بالحجج والبراهين، وأما من جاء بالحقِّ؛ فَرُدَّ قوله بأمثال هذه الأمور؛ فإنها تدلُّ على عجز موردها عن الإتيان بما يردُّ القول الذي جاء به خصمه؛ لأنه لو كان له حجَّة؛ لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا أو مرادك كذا، سواء كان صادقاً في قوله وإخباره عن قصد خصمه أم كاذباً، مع أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام كلُّ من عرف حاله وما يدعو إليه؛ عرف أنه ليس له قصدٌ في العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين، هداية الخلق وإرشادهم لما فيه نفعهم. ولكن حقيقة الأمر كما نطقوا به بقولهم:{وما نحن لكما بمؤمنين}؛ أي: تكبُّراً وعناداً، لا لبطلان ما جاء به موسى وهارون، ولا لاشتباهٍ فيه، ولا لغير ذلك من المعاني سوى الظلم والعدوان وإرادة العلوِّ الذي رموا به موسى وهارون.
الآية 79:{وقال فرعون}؛ معارضاً للحقِّ الذي جاء به موسى ومغالباً لملئِهِ وقومه:{ائتوني بكلِّ ساحر عليم}؛ أي: ماهر بالسحر متقن له. فأرسل في مدائن مصر من أتاه بأنواع السَّحرة على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم.
الآية 80:{فلما جاء السحرة}: للمغالبة لموسى ، {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون}؛ أي: أيَّ شيء أردتم، لا أعيِّن لكم شيئاً، وذلك لأنَّه جازمٌ بغلبتِهِ غير مبالٍ بهم وبما جاؤوا به.
الآية 81:{فلما ألقوا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي كأنها حيَّاتٌ تسعى، فقال {موسى ما جئتم به السحر}؛ أي: هذا السحر الحقيقي العظيم، ولكن مع عظمته {إنَّ الله سيبطِلُه إنَّ الله لا يُصۡلِحُ عمل المفسدين}؛ فإنَّهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأيُّ فساد أعظم من هذا؟! وهكذا كل مفسد عمل عملاً واحتال كيداً أو أتى بمكرٍ؛ فإنَّ عملَه سيبطُل ويضمحلُّ، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما؛ فإن مآله الاضمحلال والمَحْق، وأما المصلحون الذين قصدُهم بأعمالهم وجهُ الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعةٌ مأمورٌ بها؛ فإنَّ الله يصلحُ أعمالهم ويرقِّيها ويُنَمِّيها على الدوام.
الآية 82: فألقى موسى عصاه، فتلقَّفت جميع ما صنعوا، فبطل سِحْرُهم، واضمحلَّ باطلهم. {و} أحقَّ {اللهُ الحقَّ بكلماته ولو كره المجرمون}: فألقي السحرة حين تبيَّن لهم الحقُّ، فتوعَّدهم فرعون بالصلب وتقطيع الأيدي والأرجل، فلم يبالوا بذلك، وثبتوا على إيمانهم.
الآية 83: وأما فرعون ومَلَؤه وأتباعهم؛ فلم يؤمن منهم أحدٌ، بل استمرُّوا في طغيانهم يعمهون، ولهذا قال:{فما آمن لموسى إلا ذُرِّيَّةٌ من قومه}؛ أي: شباب من بني إسرائيل صبروا على الخوف لما ثبت في قلوبهم الإيمان، {على خوفٍ من فرعون ومَلَئِهم أن يفتِنَهم}: عن دينهم. {وإنَّ فرعونَ لعالٍ في الأرض}؛ أي: له القهر والغلبة فيها؛ فحقيقٌ بهم أن يخافوا من بطشته، {و} خصوصاً {إنه كان من المسرفين}؛ أي: المتجاوزين للحدِّ في البغي والعدوان. والحكمة ـ والله أعلم ـ بكونه ما آمن لموسى إلا ذُرِّيَّةٌ من قومه: أنَّ الذُّرِّيَّة والشباب أقبلُ للحقِّ وأسرع له انقياداً؛ بخلاف الشيوخ ونحوهم ممَّن تربَّى على الكفر؛ فإنهم بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة أبعد من الحقِّ من غيرهم.
الآية 84:{وقال موسى}: موصياً لقومه بالصبر، ومذكِّراً لهم ما يستعينون به على ذلك، فقال:{يا قوم إن كنتُم آمنتُم بالله}: فقوموا بوظيفة الإيمان، وعلى الله {توكَّلوا إن كنتُم مسلمينَ}؛ أي: اعتمدوا عليه والجؤوا إليه واستنصروه.
الآية 85:{فقالوا}: ممتثلين لذلك: {على الله توكَّلۡنا ربَّنا لا تَجۡعَلۡنا فتنةً للقوم الظالمين}؛ أي: لا تسلطهم علينا فَيَفْتِنُونا أو يَغْلِبُونا، فَيُفْتَنُون بذلك، ويقولون: لو كانوا على حقٍّ لما غُلِبوا.
الآية 86:{ونجِّنا برحمتك من القوم الكافرين}: لنسلم من شرِّهم ولنقيم على ديننا على وجهٍ نتمكَّن به من إقامة شرائعه وإظهاره من غير معارض ولا منازع.
الآية 87:{وأوحينا إلى موسى وأخيه}: حين اشتدَّ الأمر على قومهما من فرعون وقومه وحرصوا على فتنتهم عن دينهم، {أن تبوَّآ لقومكما بمصر بيوتاً}؛ أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتاً يتمكَّنون به من الاستخفاء فيها، {واجعلوا بيوتَكم قبلةً}؛ أي: اجعلوها محلاًّ تصلون فيها حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس والبيع العامَّة. {وأقيموا الصلاة}: فإنها معونةٌ على جميع الأمور، {وبشِّر المؤمنين}: بالنصر والتأييد وإظهار دينهم؛ فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً. وحين اشتدَّ الكرب وضاق الأمر؛ فرَّجه الله ووسعه.
الآية 88: فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون وملئهم؛ دعا عليهم وأمَّن هارون على دعائه، فقال:{ربَّنا إنك آتيت فرعونَ وملأَهُ زينةً}: يتزينون بها من أنواع الحليِّ والثياب والبيوت المزخرفة والمراكب الفاخرة والخدام، {وأموالاً}: عظيمةً {في الحياة الدُّنيا ربَّنا لِيُضِلُّوا عن سبيلك}؛ أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلاَّ على الإضلال في سبيلك فيَضِلُّون ويُضِلُّون. {ربَّنا اطمسۡ على أموالهم}؛ أي: أتلفها عليهم إما بالهلاك وإما بجعلها حجارةً غير منتفع بها، {واشدُدۡ على قلوبهم}؛ أي: قسِّها، {فلا يؤمنوا حتَّى يَرَوُا العذاب الأليم}: قال ذلك غضباً عليهم حيث تجرؤوا على محارم الله وأفسدوا عباد الله وصدُّوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربِّه بأنَّ الله سيعاقبهم على ما فعلوا بإغلاق باب الإيمان عليهم.
الآية 89:{قال} الله تعالى: {قد أُجيبتۡ دعوتُكما}: هذا دليلٌ على أن موسى يدعو وهارون يؤمِّن على دعائه، وإن الذي يؤمِّن يكون شريكاً للداعي في ذلك الدعاء. {فاستقيما}: على دينكما، واستمرَّا على دعوتكما، {ولا تتَّبِعانِّ سبيل الذين لا يعلمون}؛ أي: لا تتبعانِّ سبيل الجهَّال الضلاَّل، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتَّبعين لطرق الجحيم.
الآية 90: فأمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أنهم سَيَتَّبِعُونه ، وأرسل فرعونُ في المدائن حاشرين يقولون: إنَّ هؤلاء ـ أي: موسى وقومه ـ لشرذِمَةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنا لجميعٌ حاذرونَ. فجمع جنودَه قاصيهم ودانيهم، فأتبعهم بجنوده بغياً وعدواً؛ أي: خروجهم باغين على موسى وقومه ومعتدين في الأرض، وإذا اشتدَّ البغي واستحكم الذنبُ؛ فانتظِر العقوبةَ. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: وذلك أنَّ الله أوحى إلى موسى لما وصل البحر أن يضرِبَه بعصاه، فضربه، فانفلق اثني عشر طريقاً، وسلكه بنو إسرائيل، وساق فرعون وجنودهم خلفهم داخلين، فلما استكمل موسى وقومُه خارجين من البحر وفرعونُ وجنودُه داخلين فيه؛ أمر الله البحر، فالتطم على فرعون وجنوده، فأغرقَهم وبنو إسرائيل ينظُرون، حتى إذا أدرك فرعونَ الغرقُ وجزم بهلاكه؛ {قال آمنتُ أنَّه لا إله إلاَّ الذي آمنتۡ به بنو إسرائيلَ}: وهو الله الإله الحقُّ الذي لا إله إلا هو، {وأنا من المسلمينَ}؛ أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى.
الآية 91: قال الله تعالى مبيِّناً أنَّ هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له: {آلآنَ}: تؤمن وتقرُّ برسول الله، {وقد عصيتَ قبلُ}؛ أي: بارزت بالمعاصي والكفر والتكذيب، {وكنت من المفسدينَ}: فلا ينفعُك الإيمان كما جرتْ عادةُ الله أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطراريَّة أنَّه لا ينفعهم إيمانهم؛ لأنَّ إيمانهم صار إيماناً مشاهداً؛ كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفعُ إنما هو الإيمان بالغيب.
الآية 92:{فاليوم ننجِّيك ببدنِكَ لتكون لمن خلفك آيةً}: قال المفسِّرون: إنَّ بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم من فرعون، كأنَّهم لم يصدِّقوا بإغراقه، وشكُّوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقِيَهُ على نجوة مرتفعةٍ ببدنه؛ ليكون لهم عبرة وآية. {وإنَّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}: فلذلك تمرُّ عليهم وتتكرَّر فلا ينتفعون بها؛ لعدم إقبالهم عليها، وأما من له عقلٌ وقلبٌ حاضر؛ فإنَّه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحَّة ما أخبرت به الرسل.
الآية 93:{ولقد بوَّأنا بني إسرائيل مُبَوَّأ صِدۡقٍ}؛ أي: أنزلهم الله وأسكنهم في مساكن آل فرعون، وأورثهم أرضهم وديارهم، {ورزقناهم من الطيِّباتِ}: من المطاعم والمشارب وغيرهما، {فما اختلفوا}: في الحقِّ {حتَّى جاءهم العلمُ}: الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعضٍ، وصار لكثيرٍ منهم أهوية وأغراض تخالف الحقَّ، فحصل بينهم من الاختلاف شيء كثيرٌ. {إنَّ ربَّك يقضي بينَهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}: بحكمه العدل الناشئ عن علمه التامِّ وقدرته الشاملة. وهذا هو الداء الذي يعرض لأهل الدين الصحيح، وهو أنَّ الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلِّيَّة، سعى في التحريش بينهم وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجبُ ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعضٍ وعداوة بعضهم لبعض ما هو قرَّة عين اللعين، وإلا؛ فإذا كان ربُّهم واحداً ورسولهم واحداً ودينهم واحداً ومصالحهم العامة متَّفقة؛ فلأيِّ شيء يختلفون اختلافاً يفرِّق شملهم ويشتِّت أمرهم ويَحُلُّ رابطتهم ونظامهم فيفوِّتُ من مصالحهم الدينيَّة والدنيويَّة ما يفوِّت ويموت من دينهم بسبب ذلك ما يموت؟! فنسألك اللهمَّ لطفاً بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم، ويرأبُ صدعَهم، ويردُّ قاصِيَهم على دانيهم يا ذا الجلال والإكرام!
تفسير الجلالين
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ حِبالهمْ وعِصِيّهمْ ﴿قالَ مُوسى ما﴾ اسْتِفْهامِيَّة مُبْتَدَأ خَبَره ﴿جِئْتُمْ بِهِ السِّحْر﴾ بَدَل وفِي قِراءَة بِهَمْزَةٍ واحِدَة إخْبار فَما اسْم مَوْصُول مُبْتَدَأ ﴿إنّ اللَّه سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيَمْحَقُهُ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 79 إلى 82
ذَكَرَ تَعَالَى [[في ت: "ذكر الله سبحانه"]] قِصَّةَ السَّحَرَةِ مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَقَدْ تَقَدَمَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ. وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَفِي سُورَةِ طه، وَفِي الشُّعَرَاءِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -أَرَادَ أَنْ يَتَهَرَّج عَلَى النَّاسِ، وَيُعَارِضَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، بِزَخَارِفِ [[في أ: "من خوارق".]] السَّحَرَةِ وَالْمُشَعْبِذِينَ، فانعكَس عَلَيْهِ النِّظَامُ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ الْمَرَامُ، وَظَهَرَتِ [[في ت: "وأظهرت".]] الْبَرَاهِينُ الْإِلَهِيَّةُ فِي ذَلِكَ الْمَحْفِلِ الْعَامِّ، وَ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٤٦ -٤٨] فَظَنَّ فِرْعَوْنُ أَنْ [[في ت: "أنه".]] يَسْتَنْصِرَ بالسحَّار، عَلَى رَسُولِ عَالِمِ الْأَسْرَارِ، فَخَابَ وَخَسِرَ الْجَنَّةَ، وَاسْتَوْجَبَ النَّارَ.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [[في ت: "سحار".]] ؛ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اصْطُفُوا -وَقَدْ وُعِدُوا مِنْ فِرْعَوْنَ بِالتَّقْرِيبِ وَالْعَطَاءِ الْجَزِيلِ - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٥، ٦٦] ، فَأَرَادَ مُوسَى أَنْ تَكُونَ البَدَاءة مِنْهُمْ، لِيَرَى النَّاسُ مَا صَنَعُوا، ثُمَّ يَأْتِي بِالْحَقِّ بَعْدَهُ فَيَدْمَغُ بَاطِلَهُمْ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ﴿أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] ، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٧، ٦٩] ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى لَمَّا أَلْقَوْا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي الدَّشْتَكِيّ -أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ لَيْث -وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ -قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ شِفَاءٌ مِنَ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، تُقْرَأُ فِي إِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِ الْمَسْحُورِ: الْآيَةُ الَّتِي مِنْ سُورَةِ يُونُسَ: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ وَالْآيَةُ الْأُخْرَى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١١٨ -١٢٢] ، وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] .
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ألقوا ما هم ملقوه، قال لهم موسى: ما جئتم به السحر.
* *
واختلفت القراء في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون، أنه سحرٌ. كأن معنى الكلام على تأويلهم: قال موسى: الذي جئتم به أيّها السحرة، هو السحر.
* *
وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين البصريين: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ﴾ على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاؤوا به، أسحر هو أم غيره؟ [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٥، وفيه تفصيل مفيد.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه، لم يكن شاكا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له، فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه، أي شيء هو؟
وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحق الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدِّقونه في الخبر عمّا جاءوه به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه، ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاؤوا به من ذلك بالحق الذي أتاه، [[في المخطوطة: " ما جاؤوا به من ذلك الحق الذي أتاه "، وأرجح أن ناسخ المخطوطة قد أسقط شيئًا من الكلام، ولكن ما في المطبوعة يؤدي عن معناه، وذلك بزيادة الباء في " بالحق "، وإن كانت الجملة عندي ضعيفة.]]
ومبطلٌ كيدهم بحَدِّه. [[في المطبوعة: " بجده " بالجيم، والصواب بالحاء. و " الحد " الشدة والبأس والسطوة.]]
وهذه أولى بصفة رسول الله ﷺ من الأخرى.
* *
فإن قال قائل: فما وجه دخول الألف واللام في "السحر" إن كان الأمر على ما وصفت، وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا: "ما جاءني به عمرو درهمٌ = والذي أعطاني أخوك دينار"، ولا يكادون أن يقولوا [[هكذا في المخطوطة " لا يكادون أن يقولوا "، وبعد " يقولوا " حرف " ط " دلالة على الخطأ، وليس خطأ. وقد عقد ابن هشام في شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح: ٩٨ - ١٠٢، فصلا جيدًا في وقوع خبر " كاد " مقرونا به " أن "، وذكر شواهده في الحديث وفي الشعر، واحتج لذلك أحسن الاحتجاج.]]
: الذي أعطاني أخوك الدرهم = وما جاءني به عمرو الدينار؟
قيل له: بلى، كلام العرب إدخال "الألف واللام " في خبر "ما" و"الذي" إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطَب والمخاطِب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأنّ الخبر حينئذ خبرٌ عن شيء بعينه معروف عند الفريقين، وإنما يأتي ذلك بغير "الألف واللام"، [[في المطبوعة والمخطوطة أسقط " واللام ".]] إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصدَ شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٥.]] وخبرُ موسى كان خبرًا عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله عَلَمًا له على صدقه ونبوته، إلى أنه سحرٌ، فقال لهم موسى: السحرُ الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم، لا ما جئتكم به أنا. ثم أخبرهم أن الله سيبطله. فقال: ﴿إن الله سيبطله﴾ ، يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره، بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعبانًا يتلقَّفه، حتى لم يبق منه شيء = ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ ، يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه، وعمل فيها بمعاصيه. [[انظر تفسير " الإفساد " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]]
* *
وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: ﴿مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ﴾ .
* *
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ﴾ ، [[انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء ١: ٤٧٥.]] وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.