سورة القرآن surah-quran.com

سورة يوسف

سورة يوسف، الآية 110

الجزء 13، الصفحة 248.

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴿١١٠﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولا تستعجل -أيها الرسول- النصر على مكذبيك، فإن الرسل قبلك ما كان يأتيهم النصر عاجلًا لحكمة نعلمها، حتى إذا يئس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّ المُرسلُ إليهم أن الرسل قد كَذَبوهم فيما أخبروهم عن الله، جاء نصرُنا لرسلنا عند شدة الكرب، فننجي من نشاء من الرسل وأتباعهم، ولا يُرَدُّ عذابنا عمَّن أجرم وتجرَّأ على الله. وفي هذا تسلية للنبي ﷺ.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 110 إلى 111

الآية 110: يخبر تعالى أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذِّبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحقِّ، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنَّه تصلُ الحال إلى غاية الشدَّة منهم على الرسل، حتى إنَّ الرسل على كمال يقينهم وشدَّة تصديقهم بوعد الله ووعيده ربَّما أنه يخطُرُ بقلوبهم نوعٌ من الإياس ونوعٌ من ضعف العلم والتصديق؛ فإذا بلغ الأمر هذه الحال؛ {جاءهُم نصرُنا فنُجِّي مَن نشاء}: وهم الرسل وأتباعهم، {ولا يُرَدُّ بأسُنا عن القوم المجرمين}؛ أي: ولا يُرَدُّ عذابنا عمن اجترم وتجرأ على الله؛ فما لهم من قوَّةٍ ولا ناصر.

الآية 111:{لقد كان في قصصهم}؛ أي: قصص الأنبياء والرسل مع قومهم {عبرةٌ لأولي الألباب}؛ أي: يعتبرون بها أهل الخير وأهل الشر، وأنَّ مَن فعل مثلَ فعلهم؛ ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة، ويعتبرون بها أيضاً ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة، وأنَّه الله الذي لا تنبغي العبادة إلاَّ له وحده لا شريك له. وقوله:{ما كان حديثاً يُفۡتَرى}؛ أي: ما كان هذا القرآن الذي قصَّ الله به عليكم من أنباء الغيب ما قصَّ من الأحاديث المُفْتَراة المختَلَقَة. {ولكنۡ}: كان {تصديقَ الذي بين يديه}: من الكتب السابقة؛ يوافقها ويشهدُ لها بالصحة، {وتفصيلَ كلِّ شيءٍ}: يحتاجُ إليه العباد من أصول الدين وفروعه ومن الأدلَّة والبراهين. {وهدىً ورحمةً لقوم يؤمنون}: فإنَّهم بسبب ما يحصُلُ لهم به من العلم بالحقِّ وإيثاره يحصُلُ لهم الهدى، وبما يحصُلُ لهم من الثواب العاجل والآجل تحصُلُ لهم الرحمة.

فصل في ذِكْر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصَّة العظيمة التي قال الله في أولها: {نحنُ نقصُّ عليك أحسنَ القَصَص}، وقال:{لقد كان في يوسُفَ وإخوتِهِ آياتٌ للسائلين}، وقال في آخرها:{لقد كان في قَصَصِهِم عبرةٌ لأولي الألباب}، غير ما تقدَّم في مطاويها من الفوائد. فمن ذلك: أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها؛ لما فيها من أنواع التنقُّلات: من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ومنَّة، ومن ذلٍّ إلى عزٍّ، ومن رقٍّ إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جَدْب، ومن جدبٍ إلى رخاء، ومن ضيق إلى سَعَة، ومن إنكارٍ إلى إقرار؛ فتبارك من قصَّها فأحسنها، ووضَّحها، وبيَّنها. ومنها: أن فيها أصلاً لتعبير الرؤيا؛ فإنَّ علم التعبير من العلوم المهمَّة التي يعطيها الله من يشاء من عبادِهِ، وإنَّ أغلب ما تُبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة: فإنَّ رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً له ساجدين وجهُ المناسبة فيها أنَّ هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها وبها منافعها؛ فكذلك الأنبياء والعلماء زينة للأرض وجمالٌ، وبهم يُهْتَدى في الظُّلمات كما يُهْتَدى بهذه الأنوار، ولأنَّ الأصل أبوه وأمه، وإخوتُه هم الفرع؛ فمن المناسب أن يكون الأصلُ أعظمَ نوراً وجِرْماً لما هو فرعٌ عنه؛ فلذلك كانت الشمسَ أمُّه والقمرَ أبوه والكواكبَ إخوتُه. ومن المناسبة أنَّ الشمس لفظٌ مؤنثٌ؛ فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكَّرات؛ فكانت لأبيه وإخوته. ومن المناسبة أنَّ الساجد معظِّمٌ مُحترِمٌ للمسجود له، والمسجودُ له معظَّم مُحترَمٌ؛ فلذلك دلَّ ذلك على أن يوسف يكون معظَّماً محترماً عند أبويه وإخوته، ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضَّلاً في العلم والفضائل الموجبة لذلك، ولذلك قال له أبوه:{وكذلك يَجۡتَبيكَ ربُّك ويعلِّمُك من تأويل الأحاديث}. ومن المناسبة في رؤيا الفتيين: أنَّه أوَّل رؤيا الذي رأى أنَّه يعصِرُ خمراً؛ أنَّ الذي يعصر خمراً في العادة يكون خادماً لغيره، والعصرُ يُقْصَدُ لغيره؛ فلذلك أوَّله بما يؤول إليه؛ أنَّه يسقي ربَّه، وذلك متضمِّن لخروجه من السجن. وأوَّل الذي رأى أنه يحمِلُ فوق رأسِهِ خبزاً تأكُلُ الطير منه بأنَّ جلدة رأسه ولحمه وما في ذلك من المخِّ أنه هو الذي يحمل وأنه سيبرزُ للطيور بمحلٍّ تتمكَّن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنَّه سيُقتل ويُصلب بعد موته فيُبْرَزُ للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل. وأوَّل رؤيا الملك للبقرات والسُّنبلات بالسنين المخصبة والسنين المجدبة، ووجه المناسبة أنَّ الملك به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح وبفساده تفسد، وكذلك السنون بها صلاح أحوال الرَّعية واستقامة أمر المعاش أو عدمه، وأما البقر؛ فإنَّها تُحْرَثُ الأرض عليها ويُسْتَقى عليها الماء وإذا أخصبت السنة؛ سمنت، وإذا أجدبت؛ صارت عجافاً، وكذلك السنابل في الخصب تكثر وتخضرُّ، وفي الجدب تقلُّ وتيبس، وهي أفضل غلال الأرض. ومنها: ما فيها من الأدلَّة على صحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قصَّ على قومه هذه القصة الطويلة، وهو لم يقرأ كتب الأولين، ولا دارس أحداً يراه قومُهُ بين أظهرهم صباحاً ومساءً، وهو أميٌّ لا يخطُّ ولا يقرأ، وهي موافقة لما في الكتب السابقة، وما كان لديهم إذْ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون. ومنها: أنه ينبغي البعد عن أسباب الشرِّ وكتمانُ ما تُخشى مضرَّته؛ لقول يعقوب ليوسف:{[يا بني] لا تَقۡصُصۡ رؤياكَ على إخوتِكَ فيكيدوا لك كَيۡداً}. ومنها: أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره؛ لقوله:{فيكيدوا لك كيداً}. ومنها: أنَّ نعمة الله على العبد نعمةٌ على من يتعلَّق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنَّه ربما شملتهم وحصل لهم ما حصل له بسببه؛ كما قال يعقوبُ في تفسيره لرؤيا يوسف:{وكذلك يجتبيك ربُّك ويعلِّمك من تأويل الأحاديث ويُتِمُّ نعمته عليكَ وعلى آل يعقوب}، ولما تمَّت النعمة على يوسف؛ حصل لآل يعقوب من العزِّ والتمكين في الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف. ومنها: أنَّ العدل مطلوبٌ في كل الأمور، لا في معاملة السلطان رعيته، ولا فيما دونه، حتى في معاملة الوالد لأولاده في المحبَّة والإيثار وغيره، وأنَّ في الإخلال بذلك يختلُّ عليه الأمر وتفسُدُ الأحوال، ولهذا لما قدَّم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على إخوته؛ جرى منهم ما جرى على أنفسهم وعلى أبيهم وأخيهم. ومنها: الحذر من شؤم الذنوب، وأنَّ الذنب الواحد يستتبع ذنوباً متعدِّدة، ولا يتمُّ لفاعله إلا بعدة جرائم؛ فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه؛ احتالوا لذلك بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مراتٍ، وزوَّروا على أبيهم في القميص والدَّم الذي فيه، وفي إتيانهم عشاء يبكون، ولا تستبعدْ أنَّه قد كَثُرَ البحث فيها في تلك المدَّة، بل لعلَّ ذلك اتَّصل إلى أن اجتمعوا بيوسف، وكلما صار البحث؛ حصل من الإخبار بالكذب والافتراء ما حصل، وهذا شؤمُ الذنب وآثاره التابعة والسابقة واللاحقة. ومنها: أنَّ العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية؛ فإنَّ أولاد يعقوب عليهم السلام جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبرُ أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرُهم إلى التوبة النصوح والسماح التامِّ من يوسف ومن أبيهم والدُّعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سَمَحَ العبد عن حقِّه؛ فالله خير الراحمين، ولهذا في أصحِّ الأقوال أنهم كانوا أنبياء؛ لقوله تعالى:{وأوحَيۡنا إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ}، وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذرِّيَّتهم، ومما يدلُّ على ذلك أن في رؤيا يوسف أنه رآهم كواكبَ نيِّرة، والكواكب فيها النور والهدايةُ، الذي من صفات الأنبياء؛ فإنْ لم يكونوا أنبياء؛ فإنَّهم علماء هداة. ومنها: ما منَّ الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحِلْم ومكارم الأخلاق والدَّعوة إلى الله وإلى دينه وعفوه عن إخوته الخاطئين عفواً بادَرَهم به وتمَّم ذلك بأن لا يُثَرِّبَ عليهم ولا يعيِّرَهم به، ثم برّه العظيم بأبويه وإحسانه لإخوته بل لعموم الخلق. ومنها: أن بعض الشرِّ أهون من بعض، وارتكاب أخفِّ الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما؛ فإنَّ إخوة يوسف لما اتَّفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضاً، وقال قائل منهم:{لا تَقۡتُلوا يوسف وألقوه في غيابةِ الجبِّ}؛ كان قولُه أحسنَ منهم وأخفَّ، وبسببه خفَّ عن إخوته الإثم الكبير. ومنها: أنَّ الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال ولم يُعْلَم أنه كان على غير وجه الشرع؛ أنه لا إثم على مَنْ باشره ببيع أو شراء أو خدمةٍ أو انتفاع أو استعمال؛ فإنَّ يوسف عليه السلام باعه إخوتُه بيعاً حراماً لا يجوز، ثم ذهبتْ به السيَّارة إلى مصر، فباعوه بها، وبقي عند سيِّده غلاماً رقيقاً، وسماه الله سيداً ، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم. ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء التي يُخشى منهنَّ الفتنة، والحذر أيضاً من المحبَّة التي يُخشى ضررها؛ فإنَّ امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحدها بيوسفَ وحبِّها الشديدِ له، الذي ما تركها حتَّى راودتْه تلك المراودة، ثم كذبت عليه، فسُجِنَ بسببها مدة طويلة. ومنها: أنَّ الهمَّ الذي همَّ به يوسف بالمرأة ثم تركه لله مما يرقِّيه إلى الله زُلفى؛ لأنَّ الهمَّ داعٍ من دواعي النفس الأمَّارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخَلْق، فلما قابل بينه وبين محبَّة الله وخشيته؛ غلبتْ محبَّة الله وخشيته داعي النفس والهوى، فكان ممن {خافَ مقام ربِّه ونهى النفس عن الهوى}، ومن السبعة الذين يُظِلُّمهم الله في ظلِّ عرشه يومَ لا ظلَّ إلاَّ ظلُّه: أحدُهم: رجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله. وإنَّما الهمُّ الذي يُلام عليه العبد الهمُّ الذي يساكنه، ويصير عزماً ربَّما اقترن به الفعل. ومنها: أنَّ مَن دَخَلَ الإيمان قلبَه، وكان مخلصاً لله في جميع أموره؛ فإنَّ الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وصدق إخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه؛ لقوله:{وهمَّ بها لولا أن رأى برهانَ ربِّه وكذلك لنصرِفَ عنه السوءَ والفحشاء إنَّه من عبادنا المخلصين}: على قراءة من قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح؛ فإنَّه من إخلاص الله إياه، وهو متضمِّن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله؛ أخلصَه الله، وخلَّصه من السوء والفحشاء. ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلاًّ فيه فتنة وأسباب معصية أن يفرَّ منه ويهربَ غاية ما يمكِنُه؛ ليتمكَّن من التخلُّص من المعصية؛ لأنَّ يوسف عليه السلام لما راودته التي هو في بيتها؛ فرَّ هارباً يطلُبُ الباب ليتخلَّص من شرِّها. ومنها: أنَّ القرائن يُعمل بها عند الاشتباه، فلو تخاصم رجلٌ وامرأته في شيء من أواني الدار؛ فما يصلُح للرجل؛ فإنَّه للرجل، وما يصلُح للمرأة؛ فهو لها، هذا إذ لم يكن بيِّنة، وكذا لو تنازع نجارٌ وحدادٌ في آلة حرفتهما من غير بيِّنة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر من هذا الباب؛ فإنَّ شاهد يوسف شهد بالقرينة وحكم بها في قدِّ القميص واستدلَّ بقدِّه من دُبُره على صدق يوسف وكذبها. ومما يدلُّ على هذه القاعدة أنَّه استدلَّ بوجود الصُّواع في رَحْل أخيه على الحكم عليه بالسرقة من غير بيِّنةِ شهادةٍ ولا إقرار؛ فعلى هذا إذا وجد المسروقُ في يد السارق، خصوصاً إذا كان معروفاً بالسرقة؛ فإنَّه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة. وكذلك وجود الرجل يتقيَّأ الخمر أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيِّدَ حاملاً؛ فإنَّه يُقام بذلك الحدُّ ما لم يقمْ مانعٌ منه، ولهذا سمَّى الله هذا الحكم شاهداً، فقال:{وشهد شاهدٌ من أهلها}. ومنها: ما عليه يوسفُ من الجمال الظاهر والباطن؛ فإنَّ جماله الظاهر أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتْهن حين لُمنَها على ذلك أن قطَّعن أيديهنَّ وقلن:{ما هذا بشراً إنۡ هذا إلاَّ مَلَكٌ كريمٌ}. وأما جماله الباطن؛ فهو العفَّة العظيمة عن المعصية مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ولهذا قالت امرأة العزيز:{ولقد راودتُه عن نفسه فاستَعۡصَمَ}، وقالت بعد ذلك:{الآنَ حَصۡحَصَ الحقُّ أنا راودتُه عن نفسِهِ وإنَّه لمن الصادقين}، وقالت النسوة:{حاشَ لله ما علمنا عليه من سوءٍ}. ومنها: أن يوسف عليه السلام اختار السجنَ على المعصية؛ فهكذا ينبغي للعبد إذا ابْتُلِيَ بين أمرين: إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيويَّة: أن يختار العقوبة الدنيويَّة على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في الدُّنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان أن يكره العبدُ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرهُ أنْ يُلقى في النار. ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله ويَحْتَمِي بحماه عند وجود أسباب المعصية ويتبرَّأ من حوله وقوته؛ لقول يوسف عليه السلام:{وإلاَّ تَصۡرِفۡ عنِّي كيدَهُنَّ أصبُ إليهنَّ وأكُنۡ من الجاهلين}. ومنها: أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير وينهيانه عن الشرِّ، وأنَّ الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس وإن كان معصية ضارًّا لصاحبه. ومنها: أنَّه كما على العبد عبوديَّة لله في الرخاء؛ فعليه عبوديَّة في الشدَّة؛ فيوسف عليه السلام لم يزلْ يدعو إلى الله، فلما دَخَلَ السجن؛ استمرَّ على ذلك ودعا الفتيين إلى التوحيد ونهاهما عن الشرك. ومن فطنته عليه السلام أنَّه لما رأى فيهما قابليَّة لدعوته حيث ظنَّا فيه الظنَّ الحسن، وقالا له:{إنا نراك من المحسنينَ} وأتَياه لأن يَعْبُرَ لهما رؤياهما، فرآهما متشوِّقَيْنِ لتعبيرها عنده، رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يَعْبُرَ رؤياهما؛ ليكون أنجحَ لمقصوده وأقربَ لحصول مطلوبه، وبيَّن لهما أولاً أنَّ الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم إيمانُه وتوحيدُه وتركُه مِلَّةَ مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاءٌ لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبيَّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه. ومنها: أنَّه يبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ، وأنَّه إذا سُئِلَ المفتي، وكان السائل حاجته من غير سؤاله أشد؛ أنَّه ينبغي له أن يعلِّمه ما يحتاجُ إليه قبل أن يجيب سؤاله؛ فإنَّ هذا علامةٌ على نصح المعلِّم وفطنته وحسن إرشاده وتعليمه؛ فإنَّ يوسف لما سأله الفتيان عن الرؤيا؛ قدَّم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له. ومنها: أن مَنْ وقع في مكروه وشدَّة؛ لا بأس أن يستعين بمَنْ له قدرةٌ على تخليصه أو الإخبار بحاله، وأنَّ هذا لا يكون شكوى للمخلوق؛ فإنَّ هذا من الأمور العاديَّة التي جرى العُرْفُ باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف للذي ظنَّ أنَّه ناجٍ من الفتيين:{اذۡكُرۡني عند ربِّكَ}. ومنها: أنه ينبغي ويتأكَّد على المعلِّم استعمال الإخلاص التامِّ في تعليمه، وأنْ لا يجعل تعليمه وسيلةً لمعاوضة أحدٍ في مال أو جاه أو نفع، وأن لا يمتنع من التعليم أو لا ينصح فيه إذا لم يفعل السائلُ ما كلَّفه به المعلِّم؛ فإنَّ يوسف عليه السلام قد قال، ووصَّى أحد الفتيين أنْ يذكُرَه عند ربِّه، فلم يذكُرْه ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف؛ أرسلوا ذلك الفتى، وجاءه سائلاً مستفتياً عن تلك الرؤيا، فلم يعنِّفه يوسف، ولا وبَّخه لتركه ذكره، بل أجابه عن سؤاله جواباً تامًّا من كل وجه. ومنها: أنه ينبغي للمسؤول أن يدلَّ السائل على أمر ينفعه مما يتعلَّق بسؤاله ويرشِدَه إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه؛ فإنَّ هذا من كمال نصحه وفطنته وحسن إرشاده؛ فإنَّ يوسف عليه السلام لم يقتصِرْ على تعبير رؤيا الملك، بل دلَّهم ـ مع ذلك ـ على ما يصنعونَ في تلك السنين المخصبات من كثرة الزَّرْع وكثرة جبايته. ومنها: أنه لا يُلام الإنسان على السعي في دفع التُّهمة عن نفسه وطلب البراءة لها، بل يُحْمَدُ على ذلك؛ كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن حتى تتبيَّن لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهنَّ. ومنها: فضيلة العلم؛ علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير والتربية، وأنه أفضل من الصورة الظاهرة، ولو بلغت في الحسن جمال يوسف؛ فإنَّ يوسف بسبب جماله حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العزُّ والرِّفعة والتمكين في الأرض؛ فإنَّ كلَّ خيرٍ في الدنيا والآخرة من آثار العلم وموجباته. ومنها: أنَّ علم التعبير من العلوم الشرعيَّة، وأنَّه يثاب الإنسان على تعلُّمه وتعليمه، وأنَّ تعبير الرؤيا داخلٌ في الفتوى؛ لقوله للفتيين:{قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان}، وقال الملك:{أفتوني في رؤيايَ}، وقال الفتى ليوسف:{أفۡتِنا في سبع بقراتٍ ... } الآيات؛ فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم. ومنها: أنه لا بأس أن يخبِرَ الإنسانُ عمَّا في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل إذا كان في ذلك مصلحةٌ، ولم يقصِدْ به العبد الرياء، وسَلِمَ من الكذب؛ لقول يوسف:{اجعَلۡني على خزائن الأرض إنِّي حفيظٌ عليمٌ}. وكذلك لا تُذَمُّ الولاية إذا كان المتولِّي فيها يقوم بما يقدِرُ عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنَّه لا بأس بطلبها إذا كان أعظم كفاءةً من غيره، وإنَّما الذي يُذَمُّ إذا لم يكن فيه كفايةٌ، أو كان موجوداً غيره مثله أو أعلى منه، أو لم يُرِدْ بها إقامة أمر الله؛ فبهذه الأمور يُنهى عن طلبها والتعرُّض لها. ومنها: أن الله واسعُ الجود والكرم، يجودُ على عبده بخير الدنيا والآخرة، وأنَّ خير الآخرة له سببان: الإيمانُ، والتقوى، وأنه خيرٌ من ثواب الدُّنيا وملكها، وأنَّ العبد ينبغي له أن يدعو نفسه، ويشوِّقَها لثواب الله، ولا يَدَعَها تحزن إذا رأت أهل الدُّنيا ولذاتها وهي غير قادرة عليها، بل يسلِّيها بثواب الله الأخرويِّ وفضلِهِ العظيم؛ لقوله تعالى:{ولأجۡرُ الآخرة خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتَّقون}. ومنها: أنَّ جباية الأرزاق إذا أريدَ بها التوسعة على الناس من غير ضررٍ يلحقهم؛ لا بأس بها؛ لأنَّ يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة في السنين المخصبات للاستعداد للسنين المجدبة، وأنَّ هذا غير مناقضٍ للتوكُّل على الله، بل يتوكَّل العبد على الله، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه. ومنها: حسن تدبير يوسف لمَّا تولَّى خزائن الأرض حتى كَثُرَتْ عندهم الغلاَّت جدًّا، حتى صار أهلُ الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرةِ منها؛ لعلمهم بوفورها فيها، وحتى أنَّه كان لا يَكِيل لأحد إلاَّ مقدار الحاجة الخاصَّة، أو أقلَّ لا يزيد كلَّ قادم على كيل بعيرٍ وحملِهِ. ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنها من سنن المرسلين، وإكرام الضيف؛ لقول يوسف لإخوته:{ألا تَرَوۡنَ أنِّي أوفي الكيل وأنا خيرُ المنزِلينَ}. ومنها: أنَّ سوء الظن مع وجود القرائن الدالَّة عليه غير ممنوع ولا محرَّم؛ فإنَّ يعقوب قال لأولاده بعدما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشدَّ المعالجة ثم قال لهم بعد ما أتوه وزعموا أن الذئبَ أكَلَه:{بل سوَّلت لكم أنفسُكم أمراً}، وقال لهم في الأخ الآخر:{هل آمَنُكُم عليه إلاَّ كما أمِنتُكم على أخيه من قبل}، ثم لما احتبسه يوسفُ عنده، وجاء إخوتُه لأبيهم؛ قال لهم:{بل سوَّلَتۡ لكم أنفسُكم أمراً}؛ فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرِّطين؛ فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال من غير إثم عليه ولا حرج. ومنها: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين وغيرها من المكاره أو الرافعة له بعد نزولها غير ممنوع، بل جائزٌ، وإن كان لا يقع شيءٌ إلاَّ بقضاء وقدرٍ؛ فإنَّ الأسباب أيضاً من القضاء والقدر؛ لأمر يعقوب؛ حيث قال لبنيه:{يا بنيَّ لا تدخُلوا من بابٍ واحدٍ وادخلوا من أبواب متفرقة}. ومنها: جواز استعمال المكايد التي يُتَوَصَّل بها إلى الحقوق، وأنَّ العلم بالطُّرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يُحمد عليه العبد، وإنَّما الممنوع التحيُّل على إسقاط واجبٍ أو فعل محرم. ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهِمَ غيره بأمرٍ لا يحبُّ أن يطَّلع عليه أن يستعملَ المعاريض القوليَّة والفعليَّة المانعة له من الكذب؛ كما فعل يوسفُ حيث ألقى الصُّواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه موهماً أنَّه سارقٌ، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك:{معاذَ الله أن نأخُذَ إلاَّ مَن وجدنا متاعنا عنده}، ولم يقل: مَنْ سَرَق متاعنا. وكذلك لم يقل: إنا وجدنا متاعنا عنده؛ بل أتى بكلام عامٍّ يَصْلُح له ولغيره، وليس في ذلك محذورٌ، وإنَّما فيه إيهامٌ أنَّه سارقٌ؛ ليحصُلَ المقصود الحاضر، وأنه يبقى [عند] أخيه، وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعدما تبيَّنت الحال. ومنها: أنَّه لا يجوز للإنسان أن يشهدَ إلاَّ بما عَلِمَهُ وتحقَّقهُ [إما] بمشاهدة أو خبر من يثق به، وتطمئنُّ إليه النفس؛ لقولهم:{وما شَهِدۡنا إلا بما علمنا}. ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحنَ الله بها نبيَّه وصفيَّه يعقوب عليه السلام؛ حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعةً واحدةً ويحزِنُه ذلك أشدَّ الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه مدةً طويلة لا تقصر عن ثلاثين سنة، ويعقوبُ لم يفارِقِ الحزنُ قَلْبَهُ في هذه المدة، {وابيضَّتۡ عيناه من الحزنِ فهو كظيمٌ}، ثم ازداد به الأمر شدَّة حين صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف، هذا وهو صابرٌ لأمر الله محتسبٌ الأجر من الله قد وَعَدَ من نفسه الصبر الجميل، ولا شكَّ أنه وفى بما وعد به، ولا ينافي ذلك قوله:{إنَّما أشكو بثِّي وحزني إلى الله}؛ فإنَّ الشكوى إلى الله لا تُنافي الصبر، وإنَّما الذي ينافيه الشكوى إلى المخلوقين. ومنها: أنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يسراً؛ فإنَّه لما طال الحزن على يعقوب واشتدَّ به إلى أنهى ما يكون، ثم حصل الاضطرار لآل يعقوب ومسَّهم الضرُّ؛ أذِنَ الله حينئذٍ بالفرج، فحصل التلاقي في أشدِّ الأوقات إليه حاجة واضطراراً، فتمَّ بذلك الأجر وحصل السرورُ وعُلِمَ مِن ذلك أنَّ الله يبتلي أولياءه بالشدَّة والرَّخاء والعسر واليسر؛ ليمتحنَ صبرهم وشكرهم، ويزداد بذلك إيمانُهم ويقينُهم وعِرْفانُهم. ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يجد وما هو فيه من مرضٍ أو فقرٍ ونحوهما على غير وجه التسخُّط؛ لأنَّ إخوة يوسف قالوا:{يا أيُّها العزيز مسَّنا وأهلَنا الضرُّ}، ولم يُنْكِرْ عليهم يوسف. ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأنَّ كلَّ خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأنَّ عاقبة أهلهما أحسن العواقب؛ لقوله:{قد منَّ الله علينا إنَّه من يتَّقِ ويَصۡبِرۡ فإنَّ الله لا يضيع أجر المحسنين}. ومنها: أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمةٍ بعد شدَّة وفقر وسوء حال أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكراً حاله الأولى؛ ليحدث لذلك شكراً كلَّما ذكرها؛ لقول يوسف عليه السلام:{وقد أحسنَ بي إذ أخرَجَني من السجن وجاء بكم من البَدۡوِ}. ومنها: لطف الله العظيم بيوسف؛ حيث نقله في تلك الأحوال، وأوصل إليه الشدائد والمحن؛ ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات. ومنها: أنه ينبغي للعبد أنْ يتملَّقَ إلى الله دائماً في تثبيت إيمانه، ويُعْمِلَ الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حسنَ الخاتمة وتمام النِّعمة؛ لقول يوسف عليه الصلاة والسلام:{ربِّي قد آتَيۡتَني من الملك وعلَّمۡتني من تأويل الأحاديث فاطر السمواتِ والأرض أنتَ وليِّي في الدُّنيا والآخرة توفَّني مسلماً وألحقۡني بالصَّالحين}. فهذا ما يسَّر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة المباركة، ولا بدَّ أنْ يظهر للمتدبِّر المتفكِّر غير ذلك؛ فنسأله تعالى علماً نافعاً وعملاً متقبَّلاً إنه جوادٌ كريمٌ. تم تفسير سورة يوسف وأبيه وإخوته عليهم الصلاة والسلام. والحمد لله رب العالمين.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿حَتّى﴾ غايَة لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلك إلّا رِجالًا﴾ أيْ فَتَراخى نَصْرهمْ حَتّى ﴿اسْتَيْأَسَ﴾ يَئِسَ ﴿الرُّسُل وظَنُّوا﴾ أيْقَنَ الرُّسُل ﴿أنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ تَكْذِيبًا لا إيمان بَعْده والتَّخْفِيف أيْ ظَنَّ الأُمَم أنَّ الرُّسُل أُخْلِفُوا ما وُعِدُوا بِهِ مِن النَّصْر ﴿جاءَهُمْ نَصْرنا فَنُنَجِّي﴾ بِنُونَيْنِ مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا وبِنُونٍ مُشَدَّدًا ماضٍ ﴿بَأْسنا﴾ عَذابنا ﴿عَنِ القَوْم المُجْرِمِينَ﴾ المُشْرِكِينَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ نَصْرَهُ يَنْزِلُ عَلَى رُسُلِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، عِنْدَ ضَيِّقِ الْحَالِ وَانْتِظَارِ الْفَرَجِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْوَجِ الْأَوْقَاتِ إِلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٤] ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿كُذِبُوا﴾ قِرَاءَتَانِ، إِحْدَاهُمَا بِالتَّشْدِيدِ: "قَدْ كُذِّبُوا"، وَكَذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تَقْرَؤُهَا، قَالَ الْبُخَارِيُّ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، بن صالح، عن ابن شهاب قال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ قَالَ: قُلْتُ: أكُذِبوا أَمْ كُذِّبوا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كُذِّبوا. فَقُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبوهم فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ؟ قَالَتْ: أَجَلْ، لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. فَقُلْتُ لَهَا: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا؟ قَالَتْ [[في ت، أ: "فقالت".]] مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنِ [[في ت: "يكن".]] الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا. قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كذَّبوهم، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ.

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَة، فَقُلْتُ: لَعَلَّهَا قَدْ كُذِبوا مُخَفَّفَةً؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ. [[صحيح البخاري برقم (٤٦٩٥، ٤٦٩٦) .]]

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبَى مُلَيْكة: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةً -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُلَيْكة: ثُمَّ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا بَشَرًا [[في أ: "بشروا".]] وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٤] ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا خَالَفَتْ ذَلِكَ وَأَبَتْهُ، وَقَالَتْ: مَا وَعَدَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ حَتَّى مَاتَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى ظَنُّوا أنَّ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كذَّبوهم. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقْرَؤُهَا "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبوا" مُثْقَلَةً، لِلتَّكْذِيبِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ إِنْسَانٌ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ [[في ت، أ: "يقرأ".]] هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فَقَالَ الْقَاسِمُ: أَخْبِرْهُ عَنِّي أَنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ تَقُولُ: كَذَّبَتْهُمْ أَتْبَاعُهُمْ. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ أَيْضًا.

وَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ بِالتَّخْفِيفِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فِيمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُوَ الَّذِي تَكْرَهُ. [[في أ: "يكره".]]

وَهَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ آخَرُونَ عَنْهُمَا. أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قَالَ: لَمَّا أَيِسَتِ الرُّسُلُ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُمْ قَوْمُهُمْ، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَّبوهم، جَاءَهُمُ النَّصْرُ عَلَى ذَلِكَ، ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [[في ت: "فننجي".]]

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ السُّلَمِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وعلي بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَالْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَارِمٌ [[في ت: "غارم".]] أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ [[في أ: "شعبة".]] حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حُرة [[في ت، أ: "أبي حمزة".]] الجزرِيّ قَالَ: سَأَلَ فَتَى مِنْ قُرَيْشٍ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، كَيْفَ هَذَا الْحَرْفُ، فَإِنِّي إِذَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَا أَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ ؟ قَالَ: نَعَمْ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يصدِّقوهم، وَظَنَّ المرسَلُ إِلَيْهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبوا. فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجل يُدْعَى إِلَى عِلْمٍ فَيَتَلَكَّأُ! لَوْ رَحَلْتُ فِي هَذِهِ إِلَى الْيَمَنِ كَانَ قَلِيلًا.

ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسَار سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْجَوَابِ، فَقَامَ إِلَى سَعِيدٍ فَاعْتَنَقَهُ، وَقَالَ: فرَّج اللَّهُ عَنْكَ كَمَا فَرجت عَنِّي.

وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ فَسَّرَهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا فَسَّرَهَا مُجَاهِدُ بْنُ جَبْر، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، حَتَّى إِنَّ مُجَاهِدًا قَرَأَهَا: "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبوا"، بِفَتْحِ الذَّالِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ مَنْ فَسَّرَهَا كَذَلِكَ يُعِيدُ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إِلَى أَتْبَاعِ الرُّسُلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعِيدُهُ إِلَى الْكَافِرِينَ مِنْهُمْ، أَيْ: وَظَنَّ الْكُفَّارُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذبوا -مُخَفَّفَةً -فِيمَا وَعَدُوا بِهِ مِنَ النَّصْرِ.

وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ [[في أ: "فضل".]] عَنْ جَحش [[في ت، أ: "محسن".]] بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَم قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ [[في ت، أ: "لهم".]] وَظَنَّ قَوْمُهُمْ حِينَ أَبْطَأَ الْأَمْرُ أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبوا، بِالتَّخْفِيفِ. [[في ت، أ: "مخففة".]]

فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ كُلٍّ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ عَلَى مَنْ فَسَّرَهَا بِذَلِكَ، وَانْتَصَرَ لَهَا ابْنُ جَرِيرٍ، وَوَجَّهَ الْمَشْهُورَ عَنِ الْجُمْهُورِ، وَزَيَّفَ الْقَوْلَ الْآخَرَ بِالْكُلِّيَّةِ، وردَّهُ وأبَاه، وَلَمْ يَقْبَلْهُ وَلَا ارْتَضَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [[انظر ما قالته عائشة في: تفسير الطبري (١٦/٣٠٧، ٣٠٨) ورد الطبري لقول ابن عباس (١٦/٣٠٦) .]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القُرَى﴾ ، فدعوْا من أرسلنا إليهم، فكذبوهم، وردُّوا ما أتوا به من عند الله = ﴿حتى إذا استيأسَ الرسل﴾ ، الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، [[انظر تفسير" استيأس" فيما سلف ص: ٢٠٣، ٢٠٤، وفهارس اللغة (يأس) .]] ويصدِّقوهم فيما أتوهم به من عند الله = وظن الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذِّبة أن الرسل الذين أرسلناهم قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله، من وَعده إياهم نصرَهم عليهم = ﴿جاءهم نصرنا﴾ .

* *

وذلك قول جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٩٨٧ - حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومُهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذَبَوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجّي من نشاء.

١٩٩٨٨ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أبو معاوية الضرير، قال: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، بنحوه = غير أنه قال في حديثه، قال:"أيست الرسل"، ولم يقل:"لما أيست". [[مرة أخرى، أوقفك على هذه الدقة البليغة في رواية أخبارنا، فضلاً عن رواية حديث نبينا ﷺ. ومع ذلك كله فالسفهاء يقولون، متبعين أهواء أصحاب الضلالة من المستشرقين وأشباههم. فليت قومي يعلمون أي تراث يضيعون، وأي سخف يتبعون. انظر ما سلف ص: ٢٦٥، تعليق: ١.]]

١٩٩٨٩ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، أن يسلم قومهم، وظنّ قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبُوا جاءهم نصرنا.

١٩٩٩٠ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، مثله.

١٩٩٩١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ ، قال: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا، ﴿جاءهم نصرنا﴾ .

١٩٩٩٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن حصين، عن عمران السلمي، عن ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، أيس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم. [[الأثر: ١٩٩٩٢ -" عمران السلمي"، هو" عمران بن الحارث السلمي"،" أبو الحكم" تابعي كوفي ثقة، روى عن ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٩٦.

وستأتي روايته هذه في الأخبار التالية إلى رقم: ١٩٩٩٨.]]

١٩٩٩٣ - حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: حدثنا جرير، عن حصين، عن عمران بن الحارث السلمي، عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، قال: استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم = ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قال: ظن قومهم أنهم جاؤوهم بالكذب.

١٩٩٩٤ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينًا، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: حتى إذا استيأس الرسل من أن يستجيب لهم قومهم، وظنَّ قومهم أن قد كذبوهم = ﴿جاءهم نصرنا﴾ .

١٩٩٩٥ - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: حدثنا عبثر، قال: حدثنا حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، قال: استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظنَّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوهم فيما وعدوا وكذبوا = ﴿جاءهم نصرنا﴾ . [[الأثر: ١٩٩٩٥ -" عبد الله بن أحمد بن يونس"، هو" عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن يونس اليربوعي"،" أبو حصين"، شيخ الطبري، سلف برقم: ١٢٣٣٦.

و" عبثر"، هو" عبثر بن القاسم الزبيدي"، ثقة، مضى برقم: ١٢٣٣٦، ١٢٤٠٢، ١٧١٠٦.]]

١٩٩٩٦ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس، قال: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من نصر قومهم = ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، ظن قومهم أنهم قد كَذَبوهم.

١٩٩٩٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، قال: من قومهم أن يؤمنوا بهم، وأن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم ﴿جاءهم نصرنا﴾ ، يعني الرسلَ.

١٩٩٩٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس، بمثله سواء.

١٩٩٩٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن هارون، عن عباد القرشي، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ابن عباس: ﴿وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ خفيفة، وتأويلها عنده: وظن القومُ أن الرسل قد كذبوا. [[الأثر: ١٩٩٩٩ -" عبد الوهاب بن عطاء"، هو الخفاف، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٦٨٤٢

و" هرون"، كأنه" هرون بن سفيان بن بشير"،" أبو سفيان"، المعروف بالديك، مستملي يزيد بن هارون، روى عن معاذ بن فضالة، وأبي زيد النحوي، ومطرف بن عبد الله المديني، ومحمد بن عمر الواقدي. مترجم في تاريخ بغداد ١٤: ٢٥، رقم: ٧٣٥٧.

و" عباد القرسي"، هو" عباد بن موسى القرشي البصري"، ثقة، روى عن إسرائيل بن يونس، وإبراهيم بن طهمان، وسفيان الثوري، وروى عنه هرون بن سفيان المستملي، مترجم في التهذيب.

و" عبد الرحمن بن معاوية"، هو" عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري، الزرقي"،" أبو الحويرث"، روى عن ابن عباس، وغيره، مضى برقم: ١٥٧٥٦.]]

٢٠٠٠٠ - حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، قال: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من قومهم أن يصدِّقوهم، وظن قومُهم أن قد كذبتهم رُسُلهم = ﴿جاءهم نصرنا﴾ . [[الأثر: ٢٠٠٠٠ -" أبو بكر"، لم أعرف من هو من شيوخ أبي جعفر، وظني أن صوابه" أبو كريب"، فهو الذي ذكروا أنه يروي عن طلق بن غنام.

و" طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي" ثقة، لم يكن بالمتبحر في العلم، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٣٦١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٩١.]]

٢٠٠٠١ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، يعني: أيس الرسل من أن يتّبعهم قومهم، وظن قومُهم أن الرسل قد كَذَبوا، فينصر الله الرسل، ويبعثُ العذابَ.

٢٠٠٠٢ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا﴾ ، حتى إذا استيأس الرسلُ من قومهم أن يطيعوهم ويتبعوهم، وظنَّ قومُهم أن رسلهم كذبوهم = ﴿جاءهم نصرنا﴾ .

٢٠٠٠٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من قومهم = ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قال: فما أبطأ عليهم إلا من ظن أنهم قد كَذَبوا.

٢٠٠٠٤ -.... قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال: سمعت ابن عباس يقول: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ خفيفةً. وقال ابن عباس: ظن القومُ أنّ الرسل قد كَذَبوهم، خفيفةً.

٢٠٠٠٥ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من قومهم، وظنّ قومُهم أن الرسل قد كَذَبوهم.

٢٠٠٠٦ -.... قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن خصيف، قال: سألت سعيد بن جبير، عن قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من قومهم، وظن الكفار أنهم هم كَذَبوا.

٢٠٠٠٧ - حدثني يعقوب والحسن بن محمد، قالا حدثنا إسماعيل بن علية. قال: حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من قومهم أن يؤمنوا، وظن قومُهم أن الرسل قد كَذَبتهم.

٢٠٠٠٨ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عارم أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثني إبراهيم بن أبي حرة الجزري، قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنَّيت أن لا أقرأ هذه السورة: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ؟ قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم، وظن المرسَلُ إليهم أن الرُّسُل كَذَبوا. قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكَّأ!! لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا! [[الأثر: ٢٠٠٠٨ -" شعيب"، هو" شعيب بن الحبحاب الأزدي"، ثقة، مضى برقم: ٦١٨٠، ٦٤٤٢.

و" إبراهيم بن أبي حرة الجزري"، وثقه ابن معين، وأحمد، وقال ابن أبي حاتم: ثقة، لا بأس به وضعفه الساجي، وذكره ابن حبان في الثقات. كان قليل الحديث. مترجم في لسان الميزان ١: ٤٦، والكبير ١ / ١ / ٢٨١، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٩٦، وابن سعد ٧ / ٢ / ١٧٩.

وكان في المطبوعة:" ابن أبي حمزة"، لم يحسن قراءة المخطوطة، ولأن الناسخ وضع أمام هذا السطر علامة الشك.

والفتى المذكور هنا، هو" مسلم بن يسار: كما يظهر من الأثر التالي.

وأما كلمة الضحاك بن مزاحم، فهي كلمة رجل قد ملأ حب العلم قلبه، وقل من الناس من يمتلئ قلبه بحب العلم حتى يقول مثل هذه المقالة، إلا ما كان من أسلافنا هؤلاء، فإن الله قد نشأهم أحسن تنشئة في حجور الأنبياء والصالحين من صحابة رسولنا ﷺ.]]

٢٠٠٠٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: حدثني أبي، أن مسلم بن يسار، سأل سعيد بن جبير ؛ فقال: يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، فهذا الموتُ، أن تظنّ الرسل أنهم قد كُذِبوا، أو نظنّ أنهم قد كَذَبوا، مخففة! [[في المخطوطة:" وظنوا أنهم قد كذبوا، ونظن أنهم قد كذبوا مخففة ... "، سقط من الكلام ما أتمه ناشر المطبوعة الأولى من الدر المنثور للسيوطي ٤: ٤١.]] قال: فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومُهم أن الرسل كذبتهم = ﴿جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين﴾ . قال: فقام مسلم إلى سعيد، فاعتنقه وقال: فرّج الله عنك كما فرّجت عني [[الأثر: ٢٠٠٠٩ -" ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري"، ثقة، مضى برقم ٦٢٤٠، ١٢٥٢٢.

وأبوه:" كلثوم بن جبر البصري"، ثقة، مضى أيضًا برقم: ٦٢٤٠، ١٢٥٢٢.و" مسلم بن يسار البصري"، أبو عبد الله الفقيه، روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٧٥، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩٨.

وانظر الخبر الآتي رقم: ٢٠٠١٤.]]

٢٠٠١٠ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا أبو المعلى العطار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم ؛ وظنَّ قومهم أن الرسل قد كَذَبوهم، ما كانوا يخبرونهم ويبلِّغونهم. [[الأثر: ٢٠٠١٠ -" الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني"، شيخ الطبري، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٨٨٠٧، ١٨٨١٧.

و" يحيى بن عباد الضبعي"،" أبو عباد البصري"، ثقة، حدث عنه أهل بغداد، وقال الخطيب: أحاديثه مستقيمة، لا نعلمه روى منكرًا. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٢٩٢، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٧٣، وتاريخ بغداد ١٤: ١٤٤ -١٤٦.

و"وهيب" هو" وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٤٣٤٥، ١٢٤٤٤.

و" أبو المعلى العطار"، هو" يحيى بن ميمون"، ثقة ليس به بأس، مضى برقم: ٨٣٤٦، ٨٣٤٧، ١١١٦٢.]]

٢٠٠١١ -.... قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ؛ ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ أن يصدقهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا، جاء الرسل نَصرُنا.

٢٠٠١٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٠١٣ - حدثني المثنى: قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبت.

٢٠٠١٤ -.... قال: حدثنا حماد، عن كلثوم بن جبر، قال: قال لي سعيد بن جبير: سألني سيد من ساداتكم عن هذه الآية فقلت: استيأس الرسل من قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كذبت. [[الأثر: ٢٠٠١٤ - انظر الخبرين السالفين رقم: ٢٠٠٠٨، ٢٠٠٠٩.]]

٢٠٠١٥ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قال: استيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم، وظنَّ قومهم المشركون أن الرسل قد كَذَبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم، وأخْلِفُوا، وقرأ: ﴿جاءهم نصرنا﴾ ، قال: جاء الرسلَ النصرُ حينئذ. قال: وكان أبيّ يقرؤها:"كُذِبُوا".

٢٠٠١٦ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن أبي المتوكل، عن أيوب ابن أبي صفوان، عن عبد الله بن الحارث، أنه قال: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، من إيمان قومهم = ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، وظن القوم أنهم قد كذبوهم فيما جاءوهم به. [[الأثر: ٢٠٠١٦ -" سعيد"، هو" سعيد بن أبي عروبة".

وأما" أبو المتوكل" فلا أدري ما هو، وسيأتي أنه عند البخاري وابن أبي حاتم:" المتوكل"، ومع ذلك، فلست أدري من يكون على التحقيق.

و" أيوب بن أبي صفوان"، هكذا جاء في ترجمة" أيوب بن صفوان" في التاريخ الكبير للبخاري، أي هكذا يقال فيه أيضًا، وأما ابن أبي حاتم فاقتصر على أنه:" أيوب بن صفوان"، مولى عبد الله بن الحارث، وفي ترجمة أبي حاتم تخليط كثير.

قال البخاري في ترجمته:" قال عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن متوكل، عن أيوب بن صفوان، مولى عبد الله بن الحارث الهاشمي، عن عبد الله بن الحارث، عن أم هانئ، عن النبي ﷺ"، يعني في صلاة الضحى". ثم ذكره في إسناد آخر هكذا" أيوب بن أبي صفوان"، كالذي هنا.

وأما ابن أبي حاتم فقال:" أيوب بن صفوان، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، روى عن المتوكل، عن عبد الله بن الحارث، روى عنه سعيد بن أبي عروبة"، وهو خلط أرجح أن صوابه:" روى عنه المتوكل، عن عبد الله بن الحارث، وروى عن المتوكل سعيد بن أبي عروبة".

وهذا خبر مشكل إسناده كما ترى، ولا حيلة لنا فيه، حتى نجد شيئًا يهدي إلى الصواب فيه.]]

٢٠٠١٧ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ظن قومهم أن رسلهم قد كَذَبوهم فيما وعدوهم به.

٢٠٠١٨ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن جحش بن زياد الضبي، عن تميم بن حذلم، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية:"حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا"، قال: استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كَذَبوا بالتخفيف. [[الأثر: ٢٠٠١٨ -" جحش بن زياد الضبي"، روى عن تميم بن حذلم، روى عنه سفيان الثوري، وجرير، ومحمد بن فضيل، وأبو بكر بن عياش. لم يذكروا فيه جرحًا، مترجم في الكبير ١ / ٢ / ٢٥١، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٥٥٠.

و" تميم بن حذلم الضبي"، من أصحاب ابن مسعود، ثقة، قليل الحديث، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٣٦٢٣. في ترجمة ولده.]]

٢٠٠١٩ - حدثنا أبو المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، قال: استيأس الرسل من نصر قومهم، وظنّ قومُ الرسل أن الرسل قد كَذَبوهم. [[الأثر: ٢٠٠١٩ -" أبو المعلي"، هو العطار،" يحيى بن ميمون"، مضى قريبًا برقم: ٢٠٠١٠.]]

٢٠٠٢٠ - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير: حتى إذا استيأس الرسل أن يصدِّقوهم، وظن قومُهم أن الرسل قد كذبوهم. [[الأثر: ٢٠٠٢٠ -" عمرو بن ثابت بن هرمز البكري"، روى عن أبيه، ضعيف جدًا ليس بثقة، مضى برقم: ٦٤١، ٦٨٠، ٥٩٦٩.

وأبوه" ثابت بن هرمز"، الحداد،" أبو المقدام"، ثقة، مضى برقم: ٦٤١، ٦٨٠، ٥٩٦٩، ١٦٦٤٥.]]

٢٠٠٢١ -.... قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حتى إذا استيأس الرسل أن يصدّقهم قومهم، وظن قومُهم أن الرسل قد كَذَبوهم.

٢٠٠٢٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، يقول: استيأسوا من قومهم أن يجيبوهم، ويؤمنوا بهم ="وظنوا"، يقول: وظن قوم الرسل أن الرسل قد كَذَبوهم الموعد.

* *

قال أبو جعفر: والقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ بضم الكاف وتخفيف الذال. وذلك أيضًا قراءة بعض قرأة أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة.

وإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة، لأن ذلك عقيب قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) ، فكان ذلك دليلا على أن إياس الرسل كان من إيمان قومهم الذين أهلكوا، وأن المضمر في قوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، إنما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا، إتباعُ الله في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قوله: ﴿فنجي من نشاء﴾ ، إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا ان الرسل قد كذبتهم، [[في المخطوطة:" إن الذين أهلكوا"، والصواب ما في المطبوعة.]] فكَذَّبوهم ظنًّا منهم أنهم قد كَذَبوهم.

* *

وقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءة، إلى غير التأويل الذي اخترنا، ووجّهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّتِ الرسل أنهم قد كُذِبوا فيما وُعِدُوا من النصر.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٢٣ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ ، قال: كانوا بشرًا ضَعفُوا ويَئِسوا.

٢٠٠٢٤ -.... قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قرأ: ﴿وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ ، خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخْلِفوا. قال عبد الله: قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة: ٢١٤] = قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا فظنوا أنهم أخْلِفوا.

٢٠٠٢٥ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، أنه قرأ: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا) ، مخففة. قال عبد الله: هو الذي تَكْرَه.

٢٠٠٢٦ -.... قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا سفيان، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، أن رجلا سأل عبد الله بن مسعود: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قال: هو الذي تكره = مخففةً.

٢٠٠٢٧ -.... قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أنه قال في هذه الآية: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ ، قلت:"كُذِبوا"! قال: نعم ألم يكونوا بشرًا؟

٢٠٠٢٨ - حدثنا الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ ، قال: كانوا بشرًا، قد ظنُّوا.

* *

قال أبو جعفر: وهذا تأويلٌ وقولٌ، غيرُه من التأويل أولى عندي بالصواب، [[في المطبوعة والمخطوطة:" هذا تأويل وقول غيره من أهل التأويل ... " بزيادة" أهل"، وهو لا يستقيم، لأنه لو عنى ذلك لقال:" وقول غيرهما"، لأن الراوية قبل عند عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود. ويصحح ما فعلت من حذف هذه الزيادة، قوله بعد:" وخلافه من القول....".]] وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعدِ الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسَل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسَلَ إليهم لأوْلى في ذلك منهم بالعذر. [[في المطبوعة والمخطوطة:" أن المرسل إليهم" بغير الفاء، وهي واجبة في جواب الشرط من قوله:" والرسل إن جاز أن يرتابوا ... فإن المرسل إليهم ... ".]] وذلك قول إن قاله قائلٌ لا يخفى أمره.

* *

وقد ذُكِر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النُكرة فيما ذكر لنا.

ذكر الرواية بذلك عنها، رضوانُ الله عليها:

٢٠٠٢٩ - حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا﴾ ، فقال: كانوا بشرًا، ضعفوا ويئسوا = قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: معاذ الله! ما حدَّث الله رسوله شيئًا قطُّ إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى ظن الأنبياء أن من تبعهم قد كذّبوهم. فكانت تقرؤها:"قَدْ كُذِّبُوا"، تثقلها. [[الأثر: ٢٠٠٢٩ -" عثمان بن عمر بن فارس العبدي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. وابن جريج، هو الإمام المشهور.

و" ابن أبي مليكة"، هو" عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة"، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة.

وهذا إسناد صحيح، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ١٤٠) ، من طريق إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن ابن جريج.]]

٢٠٠٣٠ -.... قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن ابن عباس قرأ: ﴿وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ ، خفيفة، قال عبد الله: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة: ٢١٤] = قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: يذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا، فظنوا أنهم أُخْلِفوا. قال ابن جريج: قال أبن أبي مليكة: وأخبرني عروة عن عائشة، أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا ﷺ من شيء إلا وقد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أنَّ من معهم من المؤمنين قد كذَّبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها:"وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا" مثقَّله، للتكذيب. [[الأثر: ٢٠٠٣٠ - مكرر الذي قبله، وهو إسناد صحيح.]]

٢٠٠٣١ -.... قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قال: قلت لها قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ ، قال: قالت عائشة: لقد استيقنوا أنهم قد كُذِّبوا. قلت:"كُذِبوا". قالت: معاذ الله، لم تكن الرُّسل تظُنُّ بربها، [[في المطبوعة والمخطوطة:" تظن يومًا"، ورجحت أن هذا تصحيف من الناسخ، لم يحسن قراءة" بربها"، فكتب مكانها "يومًا"، لشبه ما بينها في الرسم، والذي في حديث البخاري:" تظن ذلك بربها"، وهو يؤيد ما ذهبت إليه.]] إنما هم أتباع الرُّسُل، لما استأخر عنهم الوحيُ، واشتد عليهم البلاء، ظنت الرسل أن أتباعهم قد كذَّبوهم = ﴿جاءهم نصرنا﴾ . [[الأثر: ٢٠٠٣١ - بهذا الإسناد، عن" عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان"، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٧٧ - ٢٧٩) = مطولا.

ولفظ أبي جعفر مختصر أشد الاختصار. وكتب ابن حجر فصلاً جيدًا مستوفى في شرح هذا الحديث.]]

٢٠٠٣٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: حتى إذا استيأس الرجل ممن كذبهم من قومهم أن يصدّقوهم، وظنَّت الرسل أن من قد آمن من قومهم قد كَذَّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. [[الأثر: ٢٠٠٣٢ - وهذا إسناد صحيح إلى عائشة.]]

* *

قال أبو جعفر: فهذا ما روي في ذلك عن عائشة، غير أنها كانت تقرأ:"كُذِّبُوا"، بالتشديد وضم الكاف، بمعنى ما ذكرنا عنها: من أن الرسل ظنَّت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم، أنهم قد كذَّبوهم، فارتدُّوا عن دينهم، استبطاءً منهم للنصر.

وقد بيّنا أن الذي نختار من القراءة في ذلك والتأويل غيرَه في هذا الحرف خاصّةً.

* *

وقال آخرون ممن قرأ قوله:"كُذِّبُوا" بضم الكاف وتشديد الذال، معنى ذلك: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدِّقوهم، وظنَّت الرسل، بمعنى: واستيقنت، أنهم قد كذّبهم أممهم، جاءَتِ الرُّسل نُصْرَتنا. وقالوا: "الظن" في هذا بمعنى العلم، [[انظر تفسير "الظن" بهذا المعنى فيما سلف من فهارس اللغة (ظنن) .]] من قول الشاعر: [[هو دريد بن الصمة.]]

فَظُنُّوا بِأَلْفَيْ فَارِسٍ مُتَلَبِّبٍ ... سَرَاتُهُمْ فِي الفَارِسِيّ المُسَرَّدِ [[مضى البيت بغير هذه الرواية ٢: ١٨، تعليق: ١، وبينت ذلك هناك.]]

* *

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٣٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن = وهو قول قتادة =: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كُذِّبوا"، أي: استيقنوا أنه لا خير عند قومهم، ولا إيمان = ﴿جاءهم نصرنا﴾ .

* *

٢٠٠٣٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ ، قال: من قومهم = ﴿وظنوا أنهم قد كذِّبوا﴾ ، قال: وعلموا أنهم قد كذبوا = ﴿جاءهم نصرنا﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وبهذه القراءة كانت تقرأ عامة قرأة المدينة والبصرة والشأم، أعني بتشديد الذال من"كُذِّبُوا" وضم كافها.

* *

وهذا التأويل الذي ذهب إليه الحسن وقتادة في ذلك، إذا قرئ بتشديد الذال وضم الكاف، خلافٌ لما ذكرنا من أقوال جميع من حكينا قوله من الصحابة، لأنه لم يوجه"الظن" في هذا الموضع منهم أحدٌ إلى معنى العلم واليقين، مع أن"الظنّ" إنما استعمله العرب في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر أو من غير وجه المشاهده والمعاينة. فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة، فإنها لا تستعمل فيه"الظن"، لا تكاد تقول:"أظنني حيًّا، وأظنني إنسانًا"، بمعنى: أعلمني إنسانًا، وأعلمني حيًا. والرسل الذين كذبتهم أممهم، لا شك أنها كانت لأممها شاهدة، ولتكذيبها إياها منها سامعة، فيقال فيها: ظنّت بأممها أنها كَذَّبتها.

* *

وروي عن مجاهد في ذلك قولٌ هو خلاف جميع ما ذكرنا من أقوال الماضين الذين سَمَّينا أسماءهم وذكرنا أقوالهم، وتأويلٌ خلاف تأويلهم، وقراءةٌ غير قراءة جميعهم، وهو أنه، فيما ذُكِر عنه، كان يقرأ:"وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا" بفتح الكاف والذال وتخفيف الذال.

ذكر الرواية عنه بذلك:

٢٠٠٣٥ - حدثني أحمد بن يوسف، قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، أنه قرأها:"كَذَبُوا" بفتح الكاف بالتخفيف.

* *

=وكان يتأوّله كما: -

٢٠٠٣٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: استيأس الرجل أن يُعَذَّبَ قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبوا = ﴿جاءهم نصرنا﴾ ، قال: جاء الرسلَ نصرنا. قال مجاهد: قال في"المؤمن" [[" المؤمن" هي سورة غافر، أي: سورة مؤمن آل فرعون.]] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ، قال: قولهم:"نحن أعلم منهم ولن نعذّب". وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ، [سورة غافر: ٨٣] ، قال: حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق.

* *

قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، [[في المطبوعة وحدها:" وهذه القراءة"، غير الكلام بلا معنى.]] لإجماع الحجة من قرأة الأمصار على خلافها. ولو جازت القراءة بذلك، لاحتمل وجهًا من التأويل، وهو أحسن مما تأوله مجاهد، وهو: حتى إذا استيأس الرسل من عذاب الله قومَها المكَذِّبة بها، وظنَّت الرسل أن قومها قد كَذَبوا وافتروا على الله بكفرهم بها = ويكون"الظن" موجِّهًا حينئذ إلى معنى العلم، على ما تأوَّله الحسن وقتادة.

* *

وأما قوله: ﴿فنجي من نشاء﴾ فإن القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأه عامة قرأة أهل المدينة ومكة والعراق:"فَنُنْجِى مَنْ نَشَاء"، مخفّفة بنونين، [[في المطبوعة أسقط" مخففة"، وكان في المخطوطة:" فننجي مخففة من نشاء بنونين"، والذي أثبته أولى وأجود.]] بمعنى: فننجي نحنُ من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا، دون الكافرين الذين كَذَّبوا رُسلنا، إذا جاء الرسلَ نصرُنا.

* *

واعتلّ الذين قرءوا ذلك كذلك، أنه إنما كتب في المصحف بنون واحدة، وحكمه أن يكون بنونين، لأن إحدى النونين حرف من أصل الكلمة، من:"أنجى ينجي"، والأخرى"النون" التي تأتي لمعنى الدلالة على الاستقبال، من فعل جماعةٍ مخبرةٍ عن أنفسها، لأنهما حرفان، أعني النونين، من جنس واحدٍ يخفى الثاني منهما عن الإظهار في الكلام، فحذفت من الخط، واجتزئ بالمثبتة من المحذوفة، كما يفعل ذلك في الحرفين اللذين يُدْغم أحدهما في صاحبه.

* *

وقرأ ذلك بعض الكوفيين على هذا المعنى، غير أنه أدغم النون الثانية وشدّد الجيم.

* *

وقرأه آخر منهم بتشديد الجيم ونصب الياء، على معنى فعل ذلك به من:"نجَّيته أنجّيه".

* *

وقرأ ذلك بعض المكيين:"فَنَجَا مَنْ نَشَاءُ" بفتح النون والتخفيف، من:"نجا ينجو". [[في المخطوطة:" من نجا عذاب الله من نشاء ينجو" وفي المطبوعة:" من نجا من عذاب الله من نشاء ينجو"، زاد" من" ليستقيم الكلام. بيد أني أقطع بأن الصواب هو ما أثبت، كما فعل في أخواتها السالفة، وإنما زاد الناسخ ما زاد سهوًا.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأه:"فَنُنْجِى مَنْ نَشَاءُ" بنونين، لأن ذلك هو القراءة التي عليها القرأة في الأمصار، وما خالفه ممن قرأ ذلك ببعض الوجوه التي ذكرناها، فمنفرد بقراءته عما عليه الحجة مجمعة من القرأة. وغير جائز خلاف ما كان مستفيضًا بالقراءة في قرأة الأمصار.

* *

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فننجي الرسلَ ومن نشاء من عبادنا المؤمنين إذا جاء نصرنا، كما: -

٢٠٠٣٧ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال حدثني عمي: قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"فننجى من نشاء"، فننجي الرسل ومن نشاء = ﴿ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين﴾ ، وذلك أن الله تبارك وتعالى بَعَث الرسل، فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصاه عُذِّب وغَوَى.

* *

وقوله ﴿ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين﴾ ، يقول: ولا تردُّ عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا وعن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله، وخالفوا رسله وما أتوهم به من عنده.