سورة القرآن surah-quran.com

سورة يوسف

سورة يوسف، الآية 39

الجزء 12، الصفحة 240.

يَـٰصَـٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴿٣٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وقال يوسف للفَتَيين اللذين معه في السجن: أعبادةُ آلهةٍ مخلوقة شتى خير أم عبادة الله الواحد القهار؟

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 36 إلى 41

الآية 36: أي: {و} لما دخل يوسف السجن؛ كان في جملة من {دخل معه السجنَ فتيانِ}؛ أي: شابان، فرأى كلُّ واحدٍ منهما رؤيا، فقصَّها على يوسف ليعبرها، {قال أحدُهما إني أراني أعصِرُ خمراً، وقال الآخرُ إنِّي أراني أحمل فوقَ رأسي خبزاً}: وذلك الخبز {تأكُلُ الطيرُ منه نبِّئۡنا بتأويلِهِ}؛ أي: بتفسيره وما يؤول إليه أمرهما. وقولهما:{إنا نراك من المحسنين}؛ أي: من أهل الإحسان إلى الخلق؛ فأحسِنْ إلينا في تعبيرك لرؤيانا كما أحسنتَ إلى غيرنا، فتوسَّلا ليوسف بإحسانه.

الآية 37: فَـ {قَالَ} لهما مجيباً لطلبهما: {لا يأتِيكما طعامٌ ترزقانِهِ إلاَّ نبأتُكما بتأويله قبلَ أن يأتيكما}؛ أي: فلتطمئنَّ قلوبُكما فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا يأتيكما غداؤكما أو عشاؤكما أول ما يجيء إليكما؛ إلاَّ نبأتُكما بتأويله قبل أن يأتِيكما، ولعلَّ يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى الإيمان في هذه الحال التي بَدَتْ حاجتُهما إليه؛ ليكون أنجعَ لدعوته وأقبل لهما. ثم قال:{ذلِكما}: التعبير الذي سأعبره لكما، {مما علَّمني ربي}؛ أي: هذا من علم الله علَّمنيه وأحسن إليَّ به. وذلك {إنِّي تركتُ مِلَّة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرونَ}: والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل عنه يكون لمن لم يدخُلْ فيه أصلاً؛ فلا يُقال: إنَّ يوسف كان من قبلُ على غير ملَّة إبراهيم.

الآية 38:{واتَّبعت مِلَّةَ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوبَ}: ثم فسَّر تلك الملة بقوله: {ما كان لنا}؛ [أي: ما ينبغي ولا يليق بنا]{أن نُشۡرِكَ بالله من شيءٍ}: بل نُفْرِدُ الله بالتوحيد ونُخْلِصُ له الدين والعبادة. {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس}؛ أي: هذا من أفضل [مننِه] وإحسانه وفضله علينا وعلى مَنْ هداه الله كما هدانا؛ فإنَّه لا أفضل من منَّة الله على العباد بالإسلام والدين القويم؛ فمن قبله وانقاد له؛ فهو حظُّه، وقد حصل له أكبر النعم وأجلُّ الفضائل. {ولكنَّ أكثرَ الناس لا يشكرونَ}: فلذلك تأتيهم المنَّة والإحسان فلا يقبلونَها ولا يقومون لله بحقِّه. وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى؛ فإنَّ الفتيين لما تقرَّر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال وأنه محسنٌ معلِّم؛ ذكر لهما أنَّ هذه الحالة التي أنا عليها كلّها من فضل الله وإحسانه، حيث منَّ عليَّ بترك الشرك وباتباع ملة آبائي ؛ فبهذا وصلتُ إلى ما رأيتما، فينبغي لكما أن تَسْلُكا ما سلكتُ.

الآية 39: ثم صرح لهما بالدعوة فقال: {يا صاحبي السجنِ أأربابٌ متفرِّقونَ خيرٌ أم الله الواحد القهار}؛ أي: أأربابٌ عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضرُّ ولا تعطي ولا تمنع وهي متفرِّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتَّخذها المشركون، أتلك خيرٌ أم الله الذي له صفات الكمال الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله؟ فلا شريكَ له في شيء من ذلك، القهَّار الذي انقادت الأشياء لقهرِهِ وسلطانِهِ؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكنْ، ما من دابَّة إلاَّ هو آخذٌ بناصيتها.

الآية 40: ومن المعلوم أنَّ مَن هذا شأنه ووصفه خيرٌ من الآلهة المتفرِّقة التي هي مجرَّد أسماء لا كمال لها ولا فعال لديها، ولهذا قال:{ما تعبُدون من دونِهِ إلاَّ أسماءً سمَّيۡتُموها أنتم وآباؤكم}؛ أي: كسوتُموها أسماءً [و] سمَّيتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا فيها من صفات الألوهيَّة شيء. {ما أنزل الله بها من سلطانٍ}: بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم يُنْزِلِ الله بها سلطاناً؛ لم يكنْ طريقٌ ولا وسيلةٌ ولا دليلٌ لها. لأن الحكمَ {لله}: وحدَه؛ فهو الذي يأمُرُ وينهى ويشرِّعُ الشرائع ويسنُّ الأحكام، وهو الذي أمركم {أن لا تعبُدوا إلاَّ إيَّاه ذلك الدين القيِّمُ}؛ أي: المستقيم الموصل إلى كلِّ خير، وما سواه من الأديان؛ فإنَّها غير مستقيمة، بل معوجَّة توصل إلى كلِّ شرٍّ. {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمونَ}: حقائق الأشياء، وإلاَّ؛ فإنَّ الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له وبين الشرك به أظهر الأشياء وأبينها، ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك حَصَلَ منهم ما حصل من الشرك. فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجنِ لعبادة الله وحده وإخلاص الدِّين له، فيُحتمل أنهما استجابا وانقادا فتمَّت عليهما النعمة، ويُحتمل أنَّهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة.

الآية 41: ثم إنه عليه السلام شَرَعَ يعبر رؤياهما بعدما وعدهما ذلك، فقال:{يا صاحبي السجن أما أحَدُكُما}: وهو الذي رأى أنه يعصِرُ خمراً؛ فإنَّه يخرج من السجن، ويسقي {ربَّه خمراً}؛ أي: يسقي سيده الذي كان يخدمه خمراً، وذلك مستلزم لخروجه من السجن. {وأما الآخر}: وهو الذي رأى أنَّه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه، {فيُصۡلَبُ فتأكلُ الطير من رأسه}: فإنَّه عبر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه وما فيه من المخِّ، وأنَّه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يُصلب ويُجعل في محلٍّ تتمكَّن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأنَّ هذا التأويل الذي تأوَّله لهما أنَّه لا بدَّ من وقوعه، فقال:{قُضِيَ الأمرُ الذي فيه تستفتيان}؛ أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿يا صاحِبَيِ﴾ ساكِنِي ﴿السِّجْن أأَرْباب مُتَفَرِّقُونَ خَيْر أمِ اللَّه الواحِد القَهّار﴾ خَيْر ؟ اسْتِفْهام تَقْرِير

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 39 إلى 40

ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَقْبَلَ عَلَى الْفَتَيَيْنِ بِالْمُخَاطَبَةِ، وَالدُّعَاءِ لَهُمَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَخَلْع مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُهُمَا، فَقَالَ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾

[أَيْ] [[زيادة من ت، أ.]] الَّذِي وَلِى [[في ت، أ: "دل".]] كُلَّ شَيْءٍ بِعزّ جَلَالِهِ، وَعَظَمَةِ [[في ت، أ: "وعظيم".]] سُلْطَانِهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمَا أنَّ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَيُسَمُّونَهَا آلِهَةً، إِنَّمَا هُوَ جَهْلُ [[في ت، أ: "جعل".]] مِنْهُمْ، وَتَسْمِيَةٌ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، تَلَقَّاهَا خَلَفهم عَنْ سَلَفهم، وَلَيْسَ لِذَلِكَ مُسْتَنَدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أَيْ: حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ.

ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ وَالتَّصَرُّفَ وَالْمَشِيئَةَ وَالْمُلْكَ كلَّه لِلَّهِ، وَقَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ قَاطِبَةً أَلَّا يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوحيد اللَّهِ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لَهُ، هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ، الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وأَنْزَلَ بِهِ الْحُجَّةَ وَالْبُرْهَانَ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: فَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٣] .

وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا عَدَلَ بِهِمْ يُوسُفُ عَنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا إِلَى هَذَا، لِأَنَّهُ عَرَف أَنَّهَا ضَارَّةٌ لِأَحَدِهِمَا، فَأَحَبَّ أَنْ يَشْغَلَهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُعَاوِدُوهُ فِيهَا، فَعَاوَدُوهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهِمُ الْمَوْعِظَةَ. [[تفسير الطبري (١٦/١٠٢) .]]

وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَعَدَهما أَوَّلًا بِتَعْبِيرِهَا [[في أ: "بتعبيرهما".]] وَلَكِنْ جَعَلَ سُؤَالَهُمَا لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ وُصْلة وَسَبَبًا إِلَى دُعَائِهِمَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ، لِمَا رَأَى فِي سَجِيَّتِهِمَا مِنْ قَبُولِ الْخَيْرِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْصَاتِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَرَغَ مِنْ دَعْوَتِهِمَا، شَرَعَ فِي تَعْبِيرِ رُؤْيَاهُمَا، مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ سؤال فقال:

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: ذكر أن يوسف صلوات الله عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن، لأن أحدهما كان مشركًا، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان، فقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، يعني: يا من هو في السجن، وجعلهما"صاحبيه" لكونهما فيه، كما قال الله تعالى لسكان الجنة: فَـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وكذلك قال لأهل النار، وسماهم"أصحابها" لكونهم فيها. [[انظر تفسير" الصاحب"، فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]]

* *

وقوله: ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، يقول: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه، الذي قهر كل شي فذلله وسخره، فأطاعه طوعًا وكرهًا. [[انظر تفسير" القهار" فيما سلف ١٣: ٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون﴾ إلى قوله: ﴿لا يعلمون﴾ ، لما عرف نبيُّ الله يوسف أن أحدهما مقتولٌ، دعاهما إلى حظّهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما.

١٩٢٩٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يا صاحبي السجن﴾ يوسفُ يقوله.

١٩٢٩١- ... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩٢٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام، فقال: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ ، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا؟