سورة القرآن surah-quran.com

سورة يوسف

سورة يوسف، الآية 52

الجزء 12، الصفحة 241.

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ﴿٥٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ذلك القول الذي قلته في تنزيه يوسف والإقرارِ على نفسي ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه، ولم تقع مني الفاحشة مع أنني راودتُه، واعترفت بذلك لإظهار براءتي وبراءته، وأن الله لا يوفق أهل الخيانة، ولا يرشدهم في خيانتهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 50 إلى 57

الآية 50: يقول تعالى: {وقال المَلِكُ} لمن عنده: {ائتوني به}؛ أي: بيوسف عليه السلام بأن يخرِجوه من السجن ويحضِروه إليه. فلمَّا جاء يوسفَ الرسولُ، وأمره بالحضور عند الملك؛ امتنع عن المبادرة إلى الخروج حتَّى تتبيَّن براءتُه التامَّةُ، وهذا من صبره وعقله ورأيه التامِّ، فقال للرسولِ:{ارجعۡ إلى ربِّك}؛ يعني به: الملك، {فاسۡألۡه ما بالُ النسوةِ اللاتي قطَّعۡن أيدِيَهُنَّ}؛ أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن؛ فإنَّ أمرهن ظاهرٌ متَّضح. {إنَّ ربِّي بكيدِهِنَّ عليمٌ}.

الآية 51: فأحضرهنَّ الملك وقال: {ما خطبُكُنَّ}؛ أي: شأنكُن، {إذ راودتُنَّ يوسفَ عن نفسِهِ}: فهل رأيتُن منه ما يريب؟! فبرَّأنَه و {قلن حاشَ لله ما علِمۡنا عليه من سوءٍ}؛ أي: لا قليل ولا كثير؛ فحينئذ زال السببُ الذي تُبْنَى عليه التُّهمة، ولم يبقَ إلاَّ ما عند امرأة العزيز، فقالتِ {امرأة العزيز الآنَ حَصۡحَصَ الحقُّ}؛ أي: تمحَّص وتبيَّن بعدما كنَّا نُدْخِل معه من السوء والتُّهمة ما أوجب السجن ليوسف ، {أنا راودتُه عن نفسِهِ وإنَّه لمن الصادقينَ}: في أقواله وبراءته.

الآية 52:{ذلك}: الإقرارُ الذي أقررتُ أني راودتُ يوسفَ ، {ليعلم أني لم أخُنۡهُ بالغيبِ}: يُحتمل أنَّ مرادها بذلك زوجها؛ أي: ليعلم أني حين أقررتُ أني راودتُ يوسف أنِّي لم أخُنْهُ بالغيبِ؛ أي: لم يَجْرِ منِّي إلاَّ مجرَّد المراودة، ولم أفسِدْ عليه فراشه. ويُحتمل أنَّ المراد بذلك: ليعلم يوسفُ حين أقررتُ أنِّي أنا الذي راودتُه، وأنَّه صادقٌ أني لم أخُنْه في حال غيبته عنِّي. {وأنَّ الله لا يَهۡدي كيد الخائنين}: فإنَّ كلَّ خائنٍ لا بدَّ أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بدَّ أن يتبيَّن أمره.

الآية 53: ثم لما كان في هذا الكلام نوعُ تزكيةٍ لنفسها وأنه لم يجر منها ذنبٌ في شأن يوسف استدركت فقالت: {وما أُبَرِّئُ نَفۡسِي}؛ أي: من المراودة والهمِّ والحرص الشديد والكيد في ذلك. {إنَّ النفس لأمارةٌ بالسوءِ}؛ أي: لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء؛ أي: الفاحشة وسائر الذنوب؛ فإنَّها مركَبُ الشيطان، ومنها يدخُلُ على الإنسان. {إلاَّ ما رَحِمَ ربي}: فنجَّاه من نفسه الأمَّارة حتى صارت نفسُهُ مطمئنةً إلى ربِّها منقادة لداعي الهدى متعاصية عن داعي الرَّدى؛ فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. {إنَّ ربِّي غفورٌ رحيم}؛ أي: هو غفور لمن تجرَّأ على الذُّنوب والمعاصي إذا تاب وأناب، رحيمٌ بقَبول توبته وتوفيقه للأعمال الصالحة. وهذا هو الصوابُ أنَّ هذا من قول امرأة العزيز لا من قول يوسُفَ؛ فإنَّ السياق في كلامها، ويوسُفُ إذ ذاك في السجن لم يحضُرْ.

الآية 54: فلما تحقق الملك والناس براءة يوسف التامَّة؛ أرسل إليه الملك، وقال:{ائتوني به أستَخۡلِصۡه لنفسي}؛ أي: أجعله خصيصة لي ومقرَّباً لديَّ. فأتَوه به مكرماً محترماً، {فلمَّا كلَّمه}؛ أعجبه كلامه، وزاد موقعُه عنده، فقال له:{إنَّك اليوم لدينا}؛ أي: عندنا {مكينٌ أمينٌ}؛ أي: متمكِّن أمينٌ على الأسرار.

الآية 55: فقال يوسف طلباً للمصلحة العامة: {اجعلۡني على خزائن الأرض}؛ أي: على خزائن جبايات الأرض وغلالها وكيلاً حافظاً مدبِّراً. {إنِّي حفيظٌ عليمٌ}؛ أي: حفيظ للَّذي أتولاَّه؛ فلا يضيعُ منه شيءٌ في غير محلِّه، وضابطٌ للداخل والخارج، عليمٌ بكيفيَّة التدبير والإعطاء والمنع والتصرُّف في جميع أنواع التصرُّفات. وليس ذلك حرصاً من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبةٌ منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاية والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه؛ فلذلك طلب من الملك أن يجعلَه على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاَّه إيَّاها.

{56 ـ 57} قال تعالى: {وكذلك}؛ أي: بهذه الأسباب والمقدّمات المذكورة، {مَكَّنَّا ليوسفَ في الأرض يتبوَّأ منها حيثُ يشاء}: في عيش رغدٍ ونعمة واسعةٍ وجاه عريض، {نصيبُ برحمتنا مَن نشاءُ}؛ أي: هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدَّرها له، وليست مقصورةً على نعمة الدنيا. فإن الله لا يضيعُ أجر المحسنينَ، ويوسف عليه السلام من سادات المحسنين؛ فله في الدُّنيا حسنةٌ وفي الآخرة حسنةٌ، ولهذا قال:{ولأجرُ الآخرة خيرٌ} ـ من أجر الدُّنيا ـ {للذين آمنوا وكانوا يتَّقونَ}؛ أي: لمن جمع بين التقوى والإيمان؛ فبالتَّقوى تُتْرَكُ الأمور المحرمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التامِّ يحصُلُ تصديق القلب بما أمر الله بالتصديق به وتتبعُهُ أعمال القلوب وأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبَّات.

أي: لما تولَّى يوسف عليه السلام خزائن الأرض؛ دبَّرها أحسنَ تدبيرٍ، فزرع في أرض مصرَ جميعها في السنين المخصبة زروعاً هائلةً، واتَّخذ لها المحلاَّتِ الكبارَ، وجبا من الأطعمة شيئاً كثيراً، وحفظه وضبطه ضبطاً تامًّا، فلما دخلتِ السنونَ المجدبةُ، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين التي يقيم فيها يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوبُ بنيه لأجل الميرة إلى مصر.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ طَلَب البَراءَة ﴿لِيَعْلَم﴾ العَزِيز ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ فِي أهْله ﴿بِالغَيْبِ﴾ حال ثُمَّ تَواضَعَ لِلَّهِ فَقالَ:

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 50 إلى 53

يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلِكِ لَمَّا رَجَعُوا إِلَيْهِ بِتَعْبِيرِ رُؤْيَاهُ، الَّتِي كَانَ رَآهَا، بِمَا أَعْجَبَهُ وَأَيْنَقَهُ، فَعَرَفَ فَضْلَ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعِلْمَهُ [وَحُسْنَ اطِّلَاعِهِ عَلَى رُؤْيَاهُ] [[زيادة من ت، أ.]] وَحُسْنَ أَخْلَاقِهِ عَلَى مَنْ بِبَلَدِهِ مِنْ رَعَايَاهُ، فَقَالَ ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أَيْ: أَخْرِجُوهُ مِنَ السِّجْنِ وَأَحْضَرُوهُ. فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَلِكُ وَرَعَيَّتُهُ بَرَاءَةَ سَاحَتِهِ، وَنَزَاهَةَ عِرْضِهِ، مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَأَنَّ هَذَا السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَمْرٍ يَقْتَضِيهِ، بَلْ كَانَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، قَالَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

وَقَدْ وَرَدَتِ السَّنَةُ بِمَدْحِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ، وعُلُوّ قَدْرِهِ وَصَبْرِهِ، صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَفِي الْمُسْنَدِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٦٠] وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" [[المسند (٢/٣٢٦) وصحيح البخاري برقم (٤٦٩٤) وصحيح مسلم برقم (١٥١) .]]

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لو كُنْتُ أَنَا لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ، وَمَا ابْتَغَيْتُ الْعُذْرَ" [[المسند (٢/٣٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٤٠) : "وفيه محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث".]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، حِينَ سُئل عَنِ الْبَقَرَاتِ العِجاف والسِّمان، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ مَا أَجَبْتُهُمْ حَتَّى أَشْتَرِطَ أَنْ يُخْرِجُونِي. وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، َ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ". هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ [[تفسير عبد الرزاق (١/٢٨١، ٢٨٢) وقد وصله إسحاق بن راهويه في مسنده ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٤٩) من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عباس مرفوعا بنحوه. وفيه إبراهيم بن يزيد وهو متروك.]]

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَلِكِ حِينَ جَمَعَ النِّسْوَةَ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ عِنْدَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لَهُنَّ كُلَّهُنَّ -وَهُوَ يُرِيدُ امْرَأَةَ وَزِيرِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ -: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أَيْ: شَأْنُكُنَّ وَخَبَرُكُنَّ ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الضِّيَافَةِ؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أَيْ: قَالَتِ النِّسْوَةُ جَوَابًا لِلْمَلِكِ: حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ يُوسُفَ مُتَّهَمَا، وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تَقُولُ الْآنَ: تَبَيَّنَ الْحَقُّ وَظَهَرَ وَبَرَزَ.

﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِ: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تَقُولُ: إِنَّمَا اعْتَرَفْتُ بِهَذَا عَلَى نَفْسِي، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ زَوْجِي أَنْ لَمْ أَخُنْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا وَقَعَ الْمَحْذُورُ الْأَكْبَرُ، وَإِنَّمَا رَاوَدْتُ هَذَا الشَّابَّ مُرَاوَدَةً، فَامْتَنَعَ؛ فَلِهَذَا اعترفتُ لِيَعْلَمَ أَنِّي بَرِيئَةٌ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تَقُولُ الْمَرْأَةُ: وَلَسْتُ أُبَرِّئُ نَفْسِي، فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَحَدَّثُ [[في ت، أ: "تحدث".]] وَتَتَمَنَّى؛ وَلِهَذَا رَاوَدَتْهُ لِأَنَّهَا أَمَارَةٌ بِالسُّوءِ، ﴿إِلا مَا [[في ت أ: "عن" وهو خطأ.]] رَحِمَ رَبِّي﴾ أَيْ: إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[في ت: "لغفور" وهو خطأ.]] .

وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَلْيَقُ وَالْأَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْقِصَّةِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ. وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَانْتَدَبَ لِنَصْرِهِ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيميَّة، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَفْرَدَهُ بِتَصْنِيفٍ عَلَى حِدَةٍ [[انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٠/٢٩٨) .]]

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ فِي زَوْجَتِهِ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الْآيَتَيْنِ أَيْ: إِنَّمَا رَدَدْتُ الرَّسُولَ لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ بَرَاءَتِي وَلِيَعْلَمَ الْعَزِيزُ ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ فِي زَوْجَتِهِ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من ت، أ.]] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي لَمَّ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ سِوَاهُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا جَمَعَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ فَسَأَلَهُنَّ: هَلْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قَالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ] ﴾ [[زيادة من ت، أ.]] قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَلَا يَوْمَ هَمَمْتَ بِمَا هَمَمْتَ بِهِ. فَقَالَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [[تفسير الطبري (١٦/١٤٣) .]]

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَعِكْرِمَةُ، وَابْنُ أَبِي الهُذَيل، وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدي. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأُظْهِرُ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ كُلِّهِ مِنْ كَلَامِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَهُمْ، بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَهُ الْمَلِكُ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، هذا الفعل الذي فعلتُه، من ردّي رسول الملك إليه، وتركي إجابته والخروج إليه، ومسألتي إيّاه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن، إنما فعلته ليعلم أني لم أخنه في زوجته="بالغيب"، يقول: لم أركب منها فاحشةً في حال غيبته عني. [[انظر تفسير" الغيب" فيما سلف من فهارس اللغة (غيب) .]] وإذا لم يركب ذلك بمغيبه، فهو في حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيدًا من ركوبه، كما:-

١٩٤٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،يقول يوسف: ﴿ذلك ليعلم﴾ ، إطفير سيده = ﴿أني لم أخنه بالغيب﴾ ، أني لم أكن لأخالفه إلى أهله من حيث لا يعلمه.

١٩٤٢٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، يوسف يقوله.

١٩٤٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ يوسف يقوله: لم أخن سيِّدي.

١٩٤٢٤-....قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال يوسف يقوله.

١٩٤٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال: هذا قول يوسف.

١٩٤٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، قال هو يوسف، لم يخن العزيز في امرأته.

١٩٤٢٧- حدِثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"، هو يوسف يقول: لم أخن الملك بالغيب.

* *

وقوله: ﴿وأنَّ الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، يقول: فعلت ذلك ليعلم سيدي أني لم أخنه بالغيب = ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ ، يقول: وأن الله لا يسدّد صنيع من خان الأمانات، ولا يرشد فعالهم في خيانتهموها. [[انظر تفسير" الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .

= وتفسير" الكيد" فيما سلف ص: ١٣٧، تعليق ١، والمراجع هناك.]]

* *

واتصل قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ ، بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ ، لمعرفة السامعين لمعناه، كاتصال قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ، بقول المرأة: ﴿وجعلوا أعزة أهلها أذلة﴾ ، [سورة النمل: ٣٤] وذلك أن قوله: ﴿وكذلك يفعلون﴾ ، خبر مبتدأ، وكذلك قول فرعون لأصحابه في"سورة الأعراف"، ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ، وهو متصل بقول الملأ ﴿يُريدُ أن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١١٠] . [[انظر ما سلف ١٣: ٢٠.]]