سورة القرآن surah-quran.com

سورة يوسف

سورة يوسف، الآية 69

الجزء 13، الصفحة 243.

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٦٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولما دخل إخوة يوسف عليه في منزل ضيافته ومعهم شقيقه «بِنْيامين»، ضم يوسف إليه شقيقه، وقال له سرًّا: إني أنا أخوك فلا تحزن، ولا تغتمَّ بما صنعوه بي فيما مضى. وأمره بكتمان ذلك عنهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 69 إلى 79

الآية 69: أي: لما دخل إخوة يوسف على يوسف؛ {آوى إليه أخاه}؛ أي: شقيقه، وهو بنيامين، الذي أمرهم بالإتيان به وضمَّه إليه، واختصَّه من بين إخوته، وأخبره بحقيقة الحال، و {قال إنِّي أنا أخوك؛ فلا تبتئسۡ}؛ أي: لا تحزن. {بما كانوا يعملون}: فإنَّ العاقبة خيرٌ لنا، ثم خبره بما يريد أن يصنع ويتحيَّل لبقائِهِ عنده إلى أن ينتهي الأمر.

الآية 70:{فلما جهَّزهم بجهَازهم}؛ أي: كال لكلِّ واحدٍ من إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا، {جعل السِّقايةَ}: وهو الإناء الذي يُشرب به ويُكال فيه {في رحل أخيه ثم}: أوعوا متاعهم، فلما انطلقوا ذاهبين؛ {أذَّن مؤذِّنٌ أيتها العيرُ إنكم لسارقون}: ولعل هذا المؤذِّن لم يعلم بحقيقة الحال.

الآية 71:{قالوا}؛ أي: إخوة يوسف، {وأقبلوا عليهم}: لإبعاد التُّهمة؛ فإنَّ السارق ليس له همٌّ إلا البعد والانطلاق عمَّن سرق منه؛ لتسلم له سرقته، وهؤلاء جاؤوا مقبلين إليهم، ليس لهم همٌّ إلا إزالة التهمة التي رُموا بها عنهم، فقالوا في هذه الحال:{ماذا تفقِدون}؟ ولم يقولوا: ما الذي سَرَقْنا؟ لجزمهم بأنهم بُرآء من السرقة.

الآية 72:{قالوا نفقِدُ صُواعَ الملك ولمن جاء به حِمۡلُ بعيرٍ}؛ أي: أجرة له على وجدانه، {وأنا به زعيمٌ}؛ أي: كفيل. وهذا يقوله المؤذِّن المتفقِّد.

الآية 73:{قالوا تالله لقد علمتُم ما جئنا لِنُفۡسِدَ في الأرض}: بجميع أنواع المعاصي، {وما كنَّا سارقين}: فإنَّ السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض. وإنما أقسموا على علمهم أنَّهم ليسوا مفسدين ولا سارقين؛ لأنَّهم عرفوا أنهم سَبَروا من أحوالهم ما يدلُّهم على عفَّتهم وورعهم وأنَّ هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتَّهموهم، وهذا أبلغ في نفي التُّهمة من أنْ لو قالوا: تاللهِ لم نُفْسِدْ في الأرض ولم نسرِقْ.

الآية 74:{قالوا فما جزاؤه}؛ أي: جزاء هذا الفعل، {إن كنتُم كاذبين}: بأنْ كان معكم.

الآية 75:{قالوا جزاؤه مَن وُجِدَ في رحله فهو}؛ أي: الموجود في رحله، {جزاؤُهُ}: بأن يتملَّكه صاحب السرقة، وكان هذا في دينهم؛ أنَّ السارق إذا ثبتت عليه السرقة؛ كان ملكاً لصاحب المال المسروق، ولهذا قالوا:{كذلك نَجۡزي الظالمين}.

الآية 76: فبدأ المفتش بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، وذلك لتزول الرِّيبة التي يظنُّ أنها فعلت بالقصد. فلما لم يَجِدْ في أوعيتهم شيئاً، {استَخۡرَجها من وعاء أخيه}: ولم يَقُلْ: وجدها أو سرقها أخوه مراعاةً للحقيقة الواقعة؛ فحينئذٍ تمَّ ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده على وجهٍ لا يشعر به إخوته. قال تعالى:{كذلك كِدۡنا ليوسُفَ}؛ أي: يسَّرْنا له هذا الكيد الذي توصَّل به إلى أمرٍ غير مذموم. {ما كان لِيأخُذَ أخاه في دينِ الملكِ}: لأنَّه ليس من دينه أنْ يُتَمَلَّك السارق، وإنَّما له عندهم جزاء آخر؛ فلو رُدَّتِ الحكومة إلى دين الملك؛ لم يتمكَّنْ يوسُفُ من إبقاء أخيه عنده، ولكنَّه جعل الحكم منهم؛ ليتمَّ له ما أراد. قال تعالى:{نرفعُ درجاتٍ من نشاء}: بالعلم النافع ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها؛ كما رَفَعْنا درجاتِ يوسف. {وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٌ}؛ فكل عالم فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة.

الآية 77: فلما رأى إخوةُ يوسف ما رأوا؛ {قالوا إن يَسۡرِقۡ}: هذا الأخ؛ فليس هذا غريباً منه، {فقد سَرَقَ أخٌ له من قبلُ}؛ يعنون: يوسف عليه السلام، ومقصودُهم تبرئةُ أنفسهم، وأنَّ هذا وأخاه قد يصدُرُ منهم ما يصدُرُ من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا، وفي هذا من الغضِّ عليهما ما فيه، ولهذا {أسرَّها يوسُفُ في نفسه ولم يُبۡدِها لهم}؛ أي: لم يقابِلْهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كَظَمَ الغيظَ وأسرَّ الأمر في نفسه، و {قال} في نفسه: {أنتم شَرٌّ مكاناً}: حيث ذممتمونا بما أنتُم على أشرٍّ منه. {والله أعلم بما تصفون}: مِنَّا من وصفنا بسرقة يعلم الله أنا برآء منها.

الآية 78: ثم سلكوا معه مسلك التملُّق لعله يسمح لهم بأخيهم، فَـ {قَالوا يا أيُّها العزيز إنَّ له أباً شيخاً كبيراً}؛ أي: وإنه لا يصبر عنه، وسيشقُّ عليه فراقه. {فَخُذۡ أحدَنا مكانه إنَّا نراك من المحسنين}: فأحسنْ إلينا وإلى أبينا بذلك.

الآية 79: فقال يوسُفُ: {معاذَ الله أن نأخُذَ إلاَّ مَن وجدۡنا متاعنا عنده}؛ أي: هذا ظلمٌ منا لو أخذنا البريء بذنب من وَجَدْنا متاعنا عنده، ولم يقلْ: من سرق. كلُّ هذا تحرُّزٌ من الكذب. {إنَّا إذاً}؛ أي: إن أخذنا غير من وجد في رحله، {لظالمونَ}: حيثُ وَضَعْنا العقوبة في غير موضعها.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُف آوى﴾ ضَمَّ ﴿إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوك فَلا تَبْتَئِس﴾ تَحْزَن ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن الحَسَد لَنا وأَمَرَهُ أنْ لا يُخْبِرهُمْ وتَواطَأَ مَعَهُ عَلى أنَّهُ سَيَحْتالُ عَلى أنْ يُبْقِيه عِنْده

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى يُوسُفَ وَمَعَهُمْ أَخُوهُ شَقِيقُهُ بِنْيَامِينُ، فَأَدْخَلَهُمْ دَارَ كَرَامَتِهِ وَمَنْزِلَ ضِيَافَتِهِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمُ الصِّلَةَ وَالْإِلْطَافَ وَالْإِحْسَانَ، وَاخْتَلَى بِأَخِيهِ فَأَطْلَعَهُ عَلَى شَأْنِهِ، وَمَا جَرَى لَهُ، وعَرّفه أَنَّهُ أَخُوهُ، وَقَالَ لَهُ: "لَا تَبْتَئِسْ" أَيْ: لَا تَأْسَفْ عَلَى مَا صَنَعُوا بِي، وَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَأَلَّا يُطْلِعَهُمْ عَلَى مَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ أَخُوهُ، وَتَوَاطَأَ مَعَهُ أَنَّهُ سَيَحْتَالُ عَلَى أَنْ يُبْقِيَهُ عِنْدَهُ، مُعزّزًا مكرما معظما.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما دخل ولد يعقوب على يوسف= ﴿آوى إليه أخاه﴾ ، يقول: ضم إليه أخاه لأبيه وأمه. [[انظر تفسير" الإيواء" فيما سلف ١٥: ٤٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وكان إيواؤه إياه، [[كان الكلام في المطبوعة هكذا:" وكل أخوه لأبيه"، فلم يحسن قراءة المخطوطة، فجاء بكلام لا معنى له، وكان فيها:" وكل إيواوه إياه" غير منقوطة، وهذا صواب قراءته.]] كما:-

١٩٥٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه﴾ ، قال: عرف أخاه، فأنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام والشراب. فلما كان الليلُ جاءهم بِمُثُل، فقال: لينم كل أخوين منكم على مِثَال. [[" المثال" (بكسر الميم) ، وجمعه" مثل" (بضمتين) ، وهو الفراش، وفي الحديث أنه دخل على سعد بن أبي وقاص، وفي البيت متاع رث ومثال رث أي: فراش خلق بال. ويقال: هو النمط الذي يفترش من مفارش الصوف الملونة.]] فلما بقي الغلام وحده، قال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات معه، فجعل يوسف يشمُّ ريحه، ويضمه إليه حتى أصبح، وجعل روبيل يقول: ما رأيْنا مثل هذا! أريحُونا منه!

١٩٥٠٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما دخلوا= يعني ولد يعقوب= على يوسف، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتَنا أن نأتيك به، قد جئناك به. فذكر لي أنه قال لهم: قد أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي= أو كما قال. ثم قال: إني أراكم رجالا وقد أردت أن أكرمكم. ودعا [صاحب] ضيافته. [[في المطبوعة" ودعا ضافته"، ولا أجد لها وجهًا. وفي المخطوطة كما أثبتها، ولكنه لا يستقيم إلا بالذي زدته بين القوسين.]] فقال: أنزل كل رجلين على حدة، ثم أكرمهما، وأحسن ضيافتهما. ثم قال: إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثانٍ، فسأضمه إليّ، فيكون منزله معي. فأنزلهم رجلين رجلين في منازل شتَّى، وأنزل أخاه معه، فآواه إليه. فلما خلا به قال إني أنا أخوك، أنا يوسف، فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا، ولا تعلمهم شيئًا مما أعلمتك. يقول الله: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ .

١٩٥٠٥- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى الله أخاه﴾ ، ضمه إليه، وأنزله، وهو بنيامين.

١٩٥٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول= وسئل عن قول يوسف: ﴿ولما دخلوا على يوسف آوى الله أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ =: كيف أصابه حين أخذ بالصُّواع، وقد كان أخبره [أنه] أخوه، [[في المطبوعة والمخطوطة:" كيف أجابه حين أخذ بالصواع، وقد كان أخبره أخوه"، ولعل الصواب ما أثبت، مع هذه الزيادة بين القوسين.]] وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكرًا لهم يكايدهم حتى رجعوا؟ فقال: إنه لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال: ﴿أنا أخوك﴾ مكانَ أخيك الهالك= ﴿فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ ، يقول: لا يحزنك مكانهُ.

* *

وقوله: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: فلا تستكِنْ ولا تحزن.

* *

وهو:"فلا تفتعل"من"البؤس"، يقال منه:"ابتأس يبتئس ابتئاسًا". [[انظر تفسير" ابتأس" فيما سلف ١٥: ٣٠٦، ٣٠٧.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٥٠٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: فلا تحزن ولا تيأس.

١٩٥٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهب بن منبه يقول: ﴿فلا تبتئس﴾ ، يقول: لا يحزنك مكانه.

١٩٥٠٩- حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿فلا تبتئس بما كانوا يعملون﴾ ، يقول: لا تحزن على ما كانوا يعملون.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: فلا تحزن ولا تستكن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك، وفي أخيك من أمك، وما كانوا يفعلون قبلَ اليوم بك.