سورة يوسف، الآية 97
الجزء 13، الصفحة 247.
قَالُوا۟ يَـٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِـِٔينَ ﴿٩٧﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يوسف
تفسير الآية
التفسير الميسر
قال بنوه: يا أبانا سل لنا ربك أن يعفو عنا ويستر علينا ذنوبنا، إنا كنا خاطئين فيما فعلناه بيوسف وشقيقه.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 93 إلى 98
الآية 93: أي: قال يوسف عليه السلام لإخوته: {اذهَبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بَصيراً}: لأنَّ كلَّ داءٍ يداوى بضدِّه؛ فهذا القميصُ لما كان فيه أثرُ ريح يوسف الذي أوْدَعَ قلبَ أبيه من الحزن والشوق ما الله به عليم؛ أراد أن يَشُمَّه فترجِعَ إليه روحه وتتراجع إليه نفسُه ويرجعَ إليه بصرُه، ولله في ذلك حِكَمٌ وأسرارٌ لا يطَّلع عليها العباد، وقد اطَّلع يوسفُ من ذلك على هذا الأمر. {وأتوني بأهلِكُم أجمعين}؛ أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلُّهم؛ ليحصلَ تمامُ اللقاء ويزولَ عنكم نَكَدُ المعيشة وضَنْكُ الرزقِ.
الآية 94:{ولما فصلت العير}: عن أرض مصر مقبلةً إلى أرض فلسطين؛ شمَّ يعقوبُ ريح القميص، فقال:{إنِّي لأجِدُ ريح يوسفَ لولا أن تُفَنِّدونِ}؛ أي: تسخرون منِّي، وتزعُمون أنَّ هذا الكلام صدر منِّي من غير شعور؛ لأنَّه رأى منهم من التعجُّب من حاله ما أوجب له هذا القول.
الآية 95: فوقع ما ظنَّه بهم، فقالوا:{تاللهِ إنَّك لفي ضلالك القديم}؛ أي: لا تزال تائهاً في بحرٍ لُجِّيٍّ ، لا تدري ما تقول.
الآية 96:{فلمَّا أن جاء البشيرُ}: بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته وأبيهم، {ألقاه}؛ أي: القميص {على وجهِهِ فارتدَّ بصيراً}؛ أي: رجع على حاله الأولى بصيراً بعد أن ابيضَّت عيناه من الحزن، فقال لمن حَضَرَهُ من أولاده وأهله الذين كانوا يفنِّدونَ رأيه، ويتعجَّبون منه منتصراً عليهم مُتبجحاً بنعمة الله عليه:{ألم أقُلۡ لكُم إنِّي أعلم من الله ما لا تعلمون}: حيث كنتُ مترجِّياً للقاء يوسف مترقِّباً لزوال الهمِّ والغمِّ والحزن.
الآية 97: فأقرُّوا بذنبهم، ونجعوا بذلك و {قالوا يا أبانا استغفرۡ لنا ذنوبنا إنَّا كنا خاطئينَ}: حيث فعلنا معك ما فعلنا.
الآية 98: فَـ {قَالَ} مجيباً لطلبتهم ومسرعاً لإجابتهم: {سوفَ أستغفِرُ لكم ربِّي إنَّه هو الغفور الرحيم}: ورجائي به أن يغفرَ لكم ويرحمكم ويتغمَّدكم برحمته. وقد قيل: إنه أخَّر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل؛ ليكونَ أتمَّ للاستغفار وأقرب للإجابة.
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 96 إلى 98
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: ﴿الْبَشِيرُ﴾ الْبَرِيدُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ يَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ.
قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا جَاءَ بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِالْقَمِيصِ وَهُوَ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ كَذب، فَأَرَادَ [[في ت، أ: "فأحب".]] أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ بِهَذَا، فَجَاءَ بِالْقَمِيصِ فَأَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ، فَرَجَعَ بَصِيرًا.
وَقَالَ لِبَنِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ سَيَرُدُّهُ إليَّ، وَقَلْتُ لَكُمْ: ﴿إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ؟. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا لِأَبِيهِمْ مُتَرَفِّقِينَ لَهُ: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أَيْ: مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيّ، وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُ جُرَيْج وَغَيْرُهُمْ: أَرْجَأَهُمْ إِلَى وَقْتِ السَّحَر.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ يَذْكُرُ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيَسْمَعُ [[في أ: "فسمع".]] إِنْسَانًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُ، وَأَمَرْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَهَذَا السَّحَرُ فَاغْفِرْ لِي". قَالَ: فَاسْتَمَعَ الصَّوْتَ فَإِذَا هُوَ مِنْ دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أخَّر بَنِيهِ إِلَى السِّحْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [[تفسير الطبري (١٦/٢٦١) .]]
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَيْضًا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو [[في ت: "بن".]] أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ وعِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يَقُولُ: حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ [[تفسير الطبري (١٦/٢٦٢) وهذا إسناد فيه ثلاث علل: الأولى: عنعنه ابن جريج وهو مدلس لم يصرح بالسماع. الثانية: الوليد بن مسلم القرشي كان يهم في رفع الأحاديث ويدلس تدليس التسوية. الثالثة: سليمان بن عبد الرحمن تكلم فيه من جهة حفظه وبمثل هذا السند روي حديث دعاء نسيان القرآن، وسبق الكلام عليه في فضائل القرآن.]] .
وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي رفعه نظر، والله أعلم.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 97 إلى 98
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال ولد يعقوبَ الذين كانوا فرَّقوا بينه وبين يوسف: يا أبانا سل لنا ربك يعفُ عنَّا، ويستر علينا ذنوبنا التي أذنبناها فيك وفي يوسف، فلا يعاقبنا بها في القيامة = ﴿إنا كنا خاطئين﴾ ، فيما فعلنا به، فقد اعترفنا بذنوبنا = ﴿قال سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، يقول جل ثناؤه: قال يعقوب: سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ذنوبكم التي أذنبتموها فيّ وفى يوسف.
* *
ثم اختلف أهل العلم، [[في المطبوعة:" أهل التأويل"، وأثبت ما في المخطوطة.]] في الوقت الذي أخَّر الدعاء إليه يعقوبُ لولده بالاستغفار لهم من ذنبهم.
فقال بعضهم: أخَّر ذلك إلى السَّحَر.
ذكر من قال ذلك:
١٩٨٧٠ - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الرحمن بن إسحاق، يذكر، عن محارب بن دثار، قال: كان عمٌّ لي يأتي المسجدَ، فسمع إنسانًا يقول": اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا سَحَرٌ، فاغفر لي" قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود. فسأل عبد الله عن ذلك، فقال: إن يعقوب أخَّر بنيه إلى السحر بقوله: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ . [[الأثر: ١٩٨٧٠ -" عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد الواسطي"،" أبو شيبة"، قال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث، وضعفه الباقون. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢١٣.
و" محارب بن دثار السدوسي"،" أبو مطرف"، ثقة، مضى برقم: ١١٣٣١.]]
١٩٨٧١ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن مسعود: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، قال: أخَّرهم إلى السَّحر.
١٩٨٧٢ -.... قال: حدثنا أبو سفيان الحميري، عن العوام، عن إبراهيم التيميّ في قول يعقوب لبنيه: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، قال: أخّرهم إلى السحر. [[الأثر: ١٩٨٧٢ -"أبو سفيان الحميري"، هو"سعيد بن يحيى بن مهدي" صدوق، مضى برقم: ١٢١٩٣.]]
١٩٨٧٣ -.... قال: حدثنا عمرو، عن خلاد الصفار، عن عمرو بن قيس: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، قال: في صلاة الليل.
١٩٨٧٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، قال: أخَّر ذلك إلى السَّحر.
* *
وقال آخرون: أخَّر ذلك إلى ليلة الجمعة.
ذكر من قال ذلك:
١٩٨٧٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، قال: حدثنا الوليد، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. وهو قول، أخي يعقوب لبنيه. [[الأثر: ١٩٨٧٥ -"سليمان بن عبد الرحمن التميمي"،"أبو أيوب الدمشقي"، ثقة، ولكنه حدث بالمناكير، متكلم في روايته عن غير الثقات، مضى برقم: ١٤٢١٢.
و"الوليد بن مسلم الدمشقي القرشي"، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا، آخرها: ١٣٤٦١.
وسائر رجال الخبر ثقات، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٧٧، ثم قال:"وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم".
وهذا الحديث، من حديث الوليد بن مسلم، رواه الترمذي من طريق أحمد بن الحسن، عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، في باب (أحاديث شتى من أبواب الدعوات) ، وهو حديث طويل جدًا، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم".
ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٣١٦. من هذه الطريق نفسها ثم قال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وقد علق الذهبي فقال:" هذا حديث منكر شاذ، أخاف لا يكون موضوعًا، وقد حيرني والله جودة سنده، فإن الحاكم قال فيه: حدثنا أبو النضر محمد بن محمد الفقيه، وأحمد بن محمد العنزي قالا حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي (ح) وحدثني أبو بكر بن محمد بن جعفر المزكي، حدثنا محمد بن إبراهيم العبدي، قالا حدثنا أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، فذكره مصرحًا بقوله:"حدثنا ابن جريج"، فقد حدث به سليمان قطعًا وهو ثبت، فالله أعلم".
وهذا الإشكال الذي حير الذهبي، ربما فسره ما قال يعقوب بن سفيان، في سليمان بن عبد الرحمن:"كان صحيح الكتاب، إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل، وسليمان ثقة". فإن صح هذا فربما كان هذا الحديث مما وهم في تحويله، لأن أسانيد هذا الخبر تدور كلها على"سليمان بن عبد الرحمن"، ولم نجد أحدًا رواه عن الوليد بن مسلم: غير سليمان. والله أعلم.
وسيأتي بإسناد آخر يليه.]]
١٩٨٧٦ - حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: قد قال أخي يعقوب: ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ ، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. [[الأثر: ١٩٨٧٦ - هذا مكرر الذي سلف.
و"أحمد بن الحسن الترمذي"، شيخ الطبري، كان أحد أوعية الحديث، مضى برقم: ٧٤٨٩، ١٤٢١٢.]]
* *
وقوله: ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ ، يقول: إن ربي هو الساتر على ذنوب التائبين إليه من ذنوبهم ="الرحيم"، بهم أن يعذبهم بعد توبتهم منها.