سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 184

الجزء 9، الصفحة 174.

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿١٨٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

أو لم يتفكر هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا فيتدبروا بعقولهم، ويعلموا أنه ليس بمحمد جنون؟ ما هو إلا نذير لهم من عقاب الله على كفرهم به إن لم يؤمنوا، ناصح مبين.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 182 إلى 186

الآية 182: أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.

الآية 183:{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.

الآية 184:{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.

الآية 185:{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!

الآية 186: ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ فَيَعْلَمُوا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ مُحَمَّد ﷺ ﴿مِن جِنَّة﴾ جُنُون ﴿إنْ﴾ ما ﴿هُوَ إلّا نَذِير مُبِين﴾ بَيِّن الإنْذار

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِنَا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [[في أ: "صلى الله عليه وسلم"]] ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أَيْ: لَيْسَ بِهِ جُنُونٌ، بَلْ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًا دَعَا إِلَى حَقٍّ، ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: ظَاهِرٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ وَلُبٌّ يَعْقِلُ بِهِ وَيَعِي بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التَّكْوِيرِ:٢٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سَبَأٍ:٤٦] يَقُولُ إِنَّمَا أَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قِيَامًا خَالِصًا لِلَّهِ، لَيْسَ فِيهِ تَعَصُّبٌ وَلَا عِنَادٌ، ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أَيْ: مُجْتَمِعِينَ وَمُتَفَرِّقِينَ، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فِي هَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِالرِّسَالَةِ مِنَ اللَّهِ: أَبِهِ جُنُونٌ أَمْ لَا؟ فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، بَانَ لَكُمْ وَظَهَرَ أَنَّهُ رَسُولُ [اللَّهِ] [[زيادة من د، ك، م، أ.]] حَقًّا وَصِدْقًا.

وَقَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى الصَّفَا، فَدَعَا قُرَيْشًا فَجَعَلَ يُفَخِّذهم فَخِذًا فَخِذًا: "يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ"، فَحَذَّرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَوَقَائِعَ اللَّهِ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا لَمَجْنُونٍ. بَاتَ يُصَوِّتُ إِلَى الصَّبَاحِ -أَوْ: حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [[رواه الطبري في تفسيره (١٣/٢٨٩) .]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم يتفكر هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، فيتدبروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولَنا الذي أرسلناه إليهم، لا جنَّة به ولا خَبَل، وأن الذي دعاهم إليه هو [الرأي] الصحيح، والدين القويم، والحق المبين؟ [[في المطبوعة: ((هو الدين الصحيح القويم)) ، غير ما في المخطوطة، وزدت ما بين القوسين استظهاراً من السياق.]] وإنما نزلت هذه الآية فيما قيل، [[في المطبوعة: ((ولذا نزلت هذه الآية)) ، وفي المخطوطة: ((وإذا أنزلت)) ، ورأيت أن الصواب ما أثبت، على شك منى أن يكون الكلام خرم.]] كما: -

١٥٤٦١ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان على الصَّفا، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة وابن كثير: "كان على الصفا" وأرجح أن صوابها " قام على الصفا" كما جاء في سائر الأخبار في تفسير آية سورة الشعراء: ٢١٤، (تفسير الطبري) : ١٩: ٧٣- ٧٦ بولاق.]] فدعا قريشًا، فجعل يفخِّذُهم فخذًا فخذًا: "يا بني فلان، يا بني فلان! " [[((فخذ الرجل بنى فلان تفخيداً)) ، دعاهم فخذاً فخذاً. و ((الفخذ)) فرقة من فرق الجماعات والعشائر. يقال: ((الشعب)) ، ثم ((القبيلة)) ، ثم ((الفصيلة)) ، ثم ((العمارة)) ثم ((البطن)) ، ثم ((الفخذ)) .]] فحذّرهم بأس الله، ووَقَائع الله، فقال قائلهم: "إن صاحبكم هذا لمجنون! باتَ يصوّت إلى الصباح =أو: حتى أصبح! " فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أوَ لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين﴾ .

* *

ويعني بقوله: ﴿إن هو إلا نذير مبين﴾ ،: ما هو إلا نذيرٌ ينذركم عقاب الله على كفركم به، [[في المطبوعة: ((منذركم)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] إن لم تنيبوا إلى الإيمان به. [[انظر تفسير ((النذير)) فيما سلف ١١: ٣٦٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿مبين﴾ ، قد أبان لكم، أيها الناس، إنذارُه ما أنذركم به من بأس الله على كفركم به. [[انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]]