سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 185

الجزء 9، الصفحة 174.

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله في ملك الله العظيم وسلطانه القاهر في السموات والأرض، وما خلق الله -جلَّ ثناؤه- من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، وينظروا في آجالهم التي عسى أن تكون قَرُبَتْ فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه؟ فبأي تخويف وتحذير بعد تحذير القرآن يصدقون ويعملون؟

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 182 إلى 186

الآية 182: أي: والذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على صحة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى فردُّوها ولم يقبلوها، {سنستدرِجُهم من حيث لا يعلمون}: بأن يدر لهم الأرزاق.

الآية 183:{وأملي لهم}؛ أي: أمهلهم حتى يظنُّوا أنهم لا يؤخَذون ولا يعاقَبون، فيزدادون كفراً وطغياناً وشرًّا إلى شرِّهم، وبذلك تزيد عقوبتهم ويتضاعف عذابهم، فيضرُّون أنفسهم من حيث لا يعلمون. ولهذا قال:{إن كيدي متينٌ}؛ أي: قويٌّ بليغٌ.

الآية 184:{أوَ لَمۡ يتفكَّروا ما بصاحبهم}: [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم - {من جِنَّةٍ}؛ أي: أولم يُعْمِلوا أفكارهم وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيءٌ؛ هل هو مجنونٌ؟! فلينظروا في أخلاقه وهديه ودلِّه وصفاته، وينظروا فيما دعا إليه؛ فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمَّها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكلِّ خير، ولا ينهى إلا عن كلِّ شرٍّ! أفبهذا يا أولي الألباب جِنَّة ؟! أم هو الإمام العظيم والناصح المبين والماجد الكريم والرءوف الرحيم؟! ولهذا قال:{إن هو إلا نذيرٌ مبينٌ}؛ أي: يدعو الخلق إلى ما يُنجيهم من العذاب، ويحصِّل لهم الثواب.

الآية 185:{أولم ينظروا في مَلَكوت السموات والأرض}: فإنهم إذا نظروا إليها؛ وجدوها أدلة دالة على توحيد ربِّها وعلى ما لَه من صفات الكمال. {و}: كذلك لينظروا إلى جميع {ما خَلَقَ الله من شيء}: فإن جميع أجزاء العالم يدلُّ أعظم دِلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسَعَةِ رحمته وإحسانه ونفوذ مشيئته وغير ذلك من صفاته العظيمة الدالَّة على تفرُّده بالخلق والتدبير الموجبة لأن يكون هو المعبودَ المحمودَ المسبَّح الموحَّد المحبوب. وقوله:{وأنۡ عسى أن يكونَ قد اقترب أجَلُهم}؛ أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقتربَ أجلُهم ويفجأهم الموتُ وهم في غفلةٍ معرضونَ؛ فلا يتمكَّنون حينئذٍ من استدراك الفارط. {فبأيِّ حديثٍ بعدَه يؤمنون}؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل؛ فبأيِّ حديث يؤمنون به؟! أبكتب الكذب والضلال؟! أم بحديث كل مفترٍ دجَّال؟!

الآية 186: ولكن الضالَّ لا حيلة فيه ولا سبيل إلى هدايته، ولهذا قال تعالى:{مَن يُضۡلِلِ الله فلا هاديَ له وَيَذَرُهم في طغيانِهِم يعمهونَ}؛ أي: متحيَّرون ، يتردَّدون لا يخرجون منه، ولا يهتدون إلى حقٍّ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوت﴾ مُلْك ﴿السَّمَوات والأَرْض و﴾ فِي ﴿ما خَلَقَ اللَّه مِن شَيْء﴾ بَيان لِما فَيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى قُدْرَة صانِعه ووَحْدانِيّته ﴿و﴾ فِي ﴿أنْ﴾ أيْ أنَّهُ ﴿عَسى أنْ يَكُون قَدْ اقْتَرَبَ﴾ قَرُبَ ﴿أجَلهمْ﴾ فَيَمُوتُوا كُفّارًا فَيَصِيرُوا إلى النّار فَيُبادِرُوا إلى الإيمان ﴿فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْده﴾ أيْ القُرْآن

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ -هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِنَا -فِي مُلْكِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِيمَا خَلَقَ [اللَّهُ] [[زيادة من م.]] مِنْ شَيْءٍ فِيهِمَا، فَيَتَدَبَّرُوا ذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوا بِهِ، وَيَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ، ومِنْ فِعْل مَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ [[في ك، أ: "يكون".]] الْعِبَادَةُ. وَالدِّينُ الْخَالِصُ إِلَّا لَهُ. فَيُؤْمِنُوا بِهِ، وَيُصَدِّقُوا رَسُولَهُ، وَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَخْلَعُوا الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ، وَيَحْذَرُوا أَنْ تَكُونَ آجَالُهُمْ قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَيَهْلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَصِيرُوا إِلَى عَذَابِ اللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ؟ يَقُولُ: فَبِأَيِّ تَخْوِيفٍ وَتَحْذِيرٍ وَتَرْهِيبٍ -بَعْدَ تَحْذِيرِ مُحَمَّدٍ وَتَرْهِيبِهِ، الَّذِي أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فِي آيِ كِتَابِهِ -يُصَدِّقُونَ، إِنْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؟! .

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى وَعَفَّانَ [[في أ: "عثمان".]] بْنِ مُسْلِمٍ وَعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بن جُدْعَان، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أَسْرِيَ بِي، لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَنَظَرْتُ فَوْقِي، فَإِذَا أَنَا بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ وَصَوَاعِقَ"، قَالَ: "وَأَتَيْتُ عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ، قلت: من هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا. فَلَمَّا نَزَلْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَنَظَرْتُ إِلَى أَسْفَلَ مِنِّي، فَإِذَا أَنَا برَهج وَدُخَانٍ وَأَصْوَاتٍ [[في م: "وأصوات عالية".]] فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الشَّيَاطِينُ [[في أ: "هذه أصوات الشياطين".]] يُحَرِّفون عَلَى أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ أَنْ لَا يَتَفَكَّرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَرَأَوُا الْعَجَائِبَ".

عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنُ جُدْعَانَ لَهُ مُنْكَرَاتٌ [[المسند (٢/٣٥٣) .]] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله، في ملك الله وسلطانه في السموات وفي الأرض، [[انظر تفسير ((الملكوت)) فيما سلف ١١: ٤٧٠.]] وفيما خلق جل ثناؤه من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك، ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمنْ لا نظير له ولا شبيه، [[في المطبوعة: ((ممن لا نظير له)) ، غير ما في المخطوطة، بلا علة.]] ومِنْ فِعْلِ من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذرُوا أن تكون آجالهم قد اقتربت، [[انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: ٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.

* *

وقوله: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ ، يقول: فبأيّ تخويفٍ وتحذير ترهيب بعد تحذير محمد ﷺ وترهيبِه الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه، يصدِّقون، إن لم يصدقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به محمد ﷺ من عند الله تعالى؟ [[انظر تفسير ((الحديث)) فيما سلف ٨: ٥٩٢، ٥٩٣.]]