سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 94

الجزء 9، الصفحة 162.

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴿٩٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وما أرسلنا في قرية مِن نبي يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عمّا هم فيه من الشرك، فكذَّبه قومه، إلا ابتليناهم بالبأساء والضراء، فأصبناهم في أبدانهم بالأمراض والأسقام، وفي أموالهم بالفقر والحاجة؛ رجاء أن يستكينوا، وينيبوا إلى الله، ويرجعوا إلى الحق.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 94 إلى 95

الآية 94: يقول تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبيٍّ}: يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن ما هم فيه من الشرِّ، فلم ينقادوا له؛ إلاَّ ابتلاهم الله {بالبأساءِ والضرَّاءِ}؛ أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا، {لعلهم}: إذا أصابتهم؛ خضعتْ نفوسُهم؛ فتضرعوا إلى الله، واستكانوا للحق.

الآية 95:{ثم}: إذا لم يُفِدْ فيهم واستمرَّ استكبارُهم وازداد طغيانُهم، {بدَّلۡنا مكانَ السيئةِ الحسنةَ}: فأَدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلايا، {حتى عَفَوۡا}؛ أي: كثروا وكثرتْ أرزاقُهم وانبسطوا في نعمة الله وفضله ونسوا ما مرَّ عليهم من البلايا ، {وقالوا قد مسَّ آباءنا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ}؛ أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين؛ تارة يكونون في سرَّاء، وتارة في ضرَّاء، وتارة في فرح، ومرة في ترح؛ على حسب تقلُّبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير ولا للاستدراج والنكير، حتى إذا اغتبطوا وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدُّنيا أسرَّ ما كانت إليهم. أخذْناهم بالعذاب {بغتةً وهم لا يشعُرون}؛ أي: لا يخطُرُ لهم الهلاك على بالٍ، وظنُّوا أنهم قادرون على ما آتاهم الله، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وما أرْسَلْنا فِي قَرْيَة مِن نَبِيّ﴾ فَكَذَّبُوهُ ﴿إلّا أخَذْنا﴾ عاقَبْنا ﴿أهْلها بِالبَأْساءِ﴾ شِدَّة الفَقْر ﴿والضَّرّاء﴾ المَرَض ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ يَتَذَلَّلُونَ فَيُؤْمِنُونَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 94 إلى 95

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا اخْتَبَرَ بِهِ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَعْنِي ﴿بالْبَأْسَاءِ﴾ مَا يُصِيبُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أَيْ: يَدْعُونَ وَيَخْشَعُونَ وَيَبْتَهِلُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ.

وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّهُ ابْتَلَاهُمْ بِالشِّدَّةِ لِيَتَضَرَّعُوا، فَمَا فَعَلُوا شَيْئًا مِنَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَلَبَ الْحَالَ إِلَى الرَّخَاءِ لِيَخْتَبِرَهُمْ فِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أَيْ: حولَّنا الحال من شدة إِلَى رَخَاءٍ، وَمِنْ مَرَضٍ وَسَقَمٍ إِلَى صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ، وَمِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنًى، لِيَشْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَمَا فَعَلُوا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ: كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ، ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: ابْتَلَاهُمْ [[في د: "ابتليناهم".]] بِهَذَا وَهَذَا [[في أ: "بهذا وبهذا".]] لِيَتَضَرَّعُوا ويُنيبوا إِلَى اللَّهِ، فَمَا نَجَع فِيهِمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَلَا انْتَهَوْا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا [[في م: "ولا هذا".]] بَلْ قَالُوا: قَدْ مَسَّنَا مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، ثُمَّ بَعْدَهُ مِنَ الرَّخَاءِ مِثْلُ مَا أَصَابَ آبَاءَنَا فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ الدَّهْرُ تَارَاتٌ وَتَارَاتٌ، وَلَمْ يَتَفَطَّنُوا لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَا اسْتَشْعَرُوا ابْتِلَاءَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ. وَهَذَا بِخِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الضَّرَّاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَراء شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء صَبَر فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٩٩) من حديث صهيب بن سنان، رضي الله عنه، ولم أجده في صحيح البخاري بهذا اللفظ.]] فَالْمُؤْمِنُ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِمَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [[في ك، م: "من الضراء والسراء".]] ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيِّا [[في ك، "حتى يخرج من الدنيا نقيا".]] مِنْ ذُنُوبِهِ، وَالْمُنَافِقُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، لَا يَدْرِي فِيمَ رَبَطَهُ أَهْلُهُ، وَلَا فِيمَ أَرْسَلُوهُ"، أَوْ كَمَا قَالَ. وَلِهَذَا عَقَّبَ هَذِهِ الصِّفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: أَخَذْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ بَغْتَةً، أَيْ: عَلَى بَغْتَةٍ مِنْهُمْ، وَعَدَمِ شُعُورٍ مِنْهُمْ، أَيْ: أَخَذْنَاهُمْ فَجْأَةً [[في ك: "بغتة".]] كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ للكافر". [[جاء من حديث عائشة وعبيد بن خالد السلمي وأنس بن مالك، رضي الله عنه.

فأما حديث عائشة: فأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٢٠٧) "مجمع البحرين"، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٨٩٤) من طريق صالح بن موسى، عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طلحة، عن عائشة بلفظ: "موت الفجأة تخفيف على المؤمن وسخط على الكافر" وفيه صالح بن موسى وهو متروك.

وأما حديث عبيد بن خالد: فرواه أحمد في المسند (٣/٤٢٤) وأبو داود في السنن برقم (٣١١٠) من طريق شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة أو سعد بن عبيدة، عن عبيد بن خالد بلفظ: "موت الفجأة أخذة أسف"

وأما حديث أنس: فرواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٨٩٣) من طريق محمد بن مقاتل، عن جعفر بن هارون، عن سمعان ابن المهدي، عن أنس بلفظ: "موت الفجأة رحمة للمؤمنين وعذاب للكافرين" قال ابن الجوزي: "سمعان مجهول منكر الحديث".]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، معرِّفَه سنّته في الأمم التي قد خَلَت من قبل أمته، ومذكّرَ من كفر به من قريش، لينزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله، والتكذيب لنبيه محمد ﷺ: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبي﴾ ، قبلك= ﴿إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾ ، وهو البؤس وشَظَف المعيشة وضِيقها= و"الضراء"، وهي الضُّرُ وسوء الحال في أسباب دُنياهم= ﴿لعلهم يضرعون﴾ ، يقول: فعلنا ذلك ليتضرّعوا إلى ربهم، ويستكينوا إليه، وينيبوا، [[انظر تفسير"التضرع" فيما سلف ١١: ٣٤٥، ٤١٤/ ١٢: ٤٨٥.]] بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائِهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٧٢-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾ ، يقول: بالفقر والجوع.

* *

وقد ذكرنا فيما مضى الشواهدَ على صحّة القول بما قلنا في معنى:"البأساء"، و"الضراء"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"البأساء" فيما سلف ٣: ٣٤٩- ٣٥٣/ ٤: ٢٨٨/١١: ٣٥٤

= وتفسير"الضراء" فيما سلف ٣: ٣٤٩- ٣٥٣/ ٤: ٢٨٨/ ٧: ٢١٤/ ١١: ٣٥٥.]]

* *

وقيل:"يضرّعون"، والمعنى: يتضرعون، ولكن أدغمت"التاء" في"الضاد"، لتقارب مخرجهما.