سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 95

الجزء 9، الصفحة 162.

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ثم بدَّلنا الحالة الطيبة الأولى مكان الحالة السيئة، فأصبحوا في عافية في أبدانهم، وسَعَة ورخاء في أموالهم؛ إمهالًا لهم، ولعلهم يشكرون، فلم يُفِد معهم كل ذلك، ولم يعتبروا ولم ينتهوا عمّا هم فيه، وقالوا: هذه عادة الدهر في أهله، يوم خير ويوم شر، وهو ما جرى لآبائنا من قبل، فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم آمنون، لا يخطر لهم الهلاك على بال.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 94 إلى 95

الآية 94: يقول تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبيٍّ}: يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم عن ما هم فيه من الشرِّ، فلم ينقادوا له؛ إلاَّ ابتلاهم الله {بالبأساءِ والضرَّاءِ}؛ أي: بالفقر والمرض وأنواع البلايا، {لعلهم}: إذا أصابتهم؛ خضعتْ نفوسُهم؛ فتضرعوا إلى الله، واستكانوا للحق.

الآية 95:{ثم}: إذا لم يُفِدْ فيهم واستمرَّ استكبارُهم وازداد طغيانُهم، {بدَّلۡنا مكانَ السيئةِ الحسنةَ}: فأَدَرَّ عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلايا، {حتى عَفَوۡا}؛ أي: كثروا وكثرتْ أرزاقُهم وانبسطوا في نعمة الله وفضله ونسوا ما مرَّ عليهم من البلايا ، {وقالوا قد مسَّ آباءنا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ}؛ أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين؛ تارة يكونون في سرَّاء، وتارة في ضرَّاء، وتارة في فرح، ومرة في ترح؛ على حسب تقلُّبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير ولا للاستدراج والنكير، حتى إذا اغتبطوا وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدُّنيا أسرَّ ما كانت إليهم. أخذْناهم بالعذاب {بغتةً وهم لا يشعُرون}؛ أي: لا يخطُرُ لهم الهلاك على بالٍ، وظنُّوا أنهم قادرون على ما آتاهم الله، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ أعْطَيْناهُمْ ﴿مَكان السَّيِّئَة﴾ العَذاب ﴿الحَسَنَة﴾ الغِنى والصِّحَّة ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ كَثُرُوا ﴿وقالُوا﴾ كُفْرًا لِلنِّعْمَةِ ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاء والسَّرّاء﴾ كَما مَسَّنا وهَذِهِ عادَة الدَّهْر ولَيْسَتْ بِعُقُوبَةٍ مِن اللَّه فَكُونُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ بِالعَذابِ ﴿بَغْتَة﴾ فَجْأَة ﴿وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بِوَقْتِ مَجِيئِهِ قَبْله

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 94 إلى 95

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا اخْتَبَرَ بِهِ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَعْنِي ﴿بالْبَأْسَاءِ﴾ مَا يُصِيبُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أَيْ: يَدْعُونَ وَيَخْشَعُونَ وَيَبْتَهِلُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ.

وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّهُ ابْتَلَاهُمْ بِالشِّدَّةِ لِيَتَضَرَّعُوا، فَمَا فَعَلُوا شَيْئًا مِنَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَلَبَ الْحَالَ إِلَى الرَّخَاءِ لِيَخْتَبِرَهُمْ فِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أَيْ: حولَّنا الحال من شدة إِلَى رَخَاءٍ، وَمِنْ مَرَضٍ وَسَقَمٍ إِلَى صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ، وَمِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنًى، لِيَشْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَمَا فَعَلُوا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أَيْ: كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ، يُقَالُ: عَفَا الشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ، ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: ابْتَلَاهُمْ [[في د: "ابتليناهم".]] بِهَذَا وَهَذَا [[في أ: "بهذا وبهذا".]] لِيَتَضَرَّعُوا ويُنيبوا إِلَى اللَّهِ، فَمَا نَجَع فِيهِمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَلَا انْتَهَوْا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا [[في م: "ولا هذا".]] بَلْ قَالُوا: قَدْ مَسَّنَا مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، ثُمَّ بَعْدَهُ مِنَ الرَّخَاءِ مِثْلُ مَا أَصَابَ آبَاءَنَا فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ الدَّهْرُ تَارَاتٌ وَتَارَاتٌ، وَلَمْ يَتَفَطَّنُوا لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَا اسْتَشْعَرُوا ابْتِلَاءَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ. وَهَذَا بِخِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الضَّرَّاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَراء شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاء صَبَر فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٩٩٩) من حديث صهيب بن سنان، رضي الله عنه، ولم أجده في صحيح البخاري بهذا اللفظ.]] فَالْمُؤْمِنُ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِمَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [[في ك، م: "من الضراء والسراء".]] ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيِّا [[في ك، "حتى يخرج من الدنيا نقيا".]] مِنْ ذُنُوبِهِ، وَالْمُنَافِقُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، لَا يَدْرِي فِيمَ رَبَطَهُ أَهْلُهُ، وَلَا فِيمَ أَرْسَلُوهُ"، أَوْ كَمَا قَالَ. وَلِهَذَا عَقَّبَ هَذِهِ الصِّفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: أَخَذْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ بَغْتَةً، أَيْ: عَلَى بَغْتَةٍ مِنْهُمْ، وَعَدَمِ شُعُورٍ مِنْهُمْ، أَيْ: أَخَذْنَاهُمْ فَجْأَةً [[في ك: "بغتة".]] كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ للكافر". [[جاء من حديث عائشة وعبيد بن خالد السلمي وأنس بن مالك، رضي الله عنه.

فأما حديث عائشة: فأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٢٠٧) "مجمع البحرين"، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٨٩٤) من طريق صالح بن موسى، عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طلحة، عن عائشة بلفظ: "موت الفجأة تخفيف على المؤمن وسخط على الكافر" وفيه صالح بن موسى وهو متروك.

وأما حديث عبيد بن خالد: فرواه أحمد في المسند (٣/٤٢٤) وأبو داود في السنن برقم (٣١١٠) من طريق شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة أو سعد بن عبيدة، عن عبيد بن خالد بلفظ: "موت الفجأة أخذة أسف"

وأما حديث أنس: فرواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٨٩٣) من طريق محمد بن مقاتل، عن جعفر بن هارون، عن سمعان ابن المهدي، عن أنس بلفظ: "موت الفجأة رحمة للمؤمنين وعذاب للكافرين" قال ابن الجوزي: "سمعان مجهول منكر الحديث".]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ثم بدلنا﴾ أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء= ﴿مكان السيئة﴾ ، وهي البأساء والضراء. وإنما جعل ذلك"سيئة"، لأنه ممّا يسوء الناس= ولا تسوءهم"الحَسَنة"، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة [[انظر تفسير"الضراء" فيما سلف قبل في التعليق السابق.

= وتفسير"السراء" فيما سلف ٧: ٢١٣.

= وتفسير"السيئة" و"الحسنة"، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن) .

= وتفسير"مس" فيما سلف ص: ٥٤٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى كَثرُوا.

* *

وكذلك كل شيء كثر، فإنه يقال فيه:"قد عفا"، [[انظر تفسير"عفا" فيما سلف ٣: ٣٧٠/ ٤: ٣٤٣.]] كما قال الشاعر: [[هو لبيد.]]

ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٤: ٣٤٣.]]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٧٣-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال: مكان الشدة رخاء= ﴿حتى عفوا﴾ .

١٤٨٧٤-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال:"السيئة"، الشر، و"الحسنة"، الرخاء والمالُ والولد.

١٤٨٧٥-حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال:"السيئة"، الشر، و"الحسنة"، الخير.

١٤٨٧٦-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة﴾ ، يقول: مكان الشدة الرَّخاء.

١٤٨٧٧-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾ ، قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا= ﴿حتى عفوا﴾ ، من ذلك العذاب= ﴿وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء﴾ .

* *

واختلفوا في تأويل قوله: ﴿حتى عفوا﴾ .

فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٧٨-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: جَمُّوا. [["جم الشيء"، و"استجم"، كثر. و"مال جم"، كثيرة.]]

١٤٨٧٩-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: كثرت أموالهم وأولادهم.

١٤٨٨٠-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٨٨١-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿حتى عفوا﴾ ، حتى كثروا.

١٤٨٨٢-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى جَمُّوا وكثروا.

١٤٨٨٣- ... قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى جَمُّوا.

١٤٨٨٤- ... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿حتى عفوا﴾ ، يعني: جَمُّوا وكثروا.

١٤٨٨٥- ... قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى كثرت أموالهم وأولادهم.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿حتى عفوا﴾ ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش، [["الريش" (بكسر الراء) : المتاع والأموال.]] ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يَشْعُرون.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٨٦-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى سُرُّوابذلك.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة في معنى:"عفوا"، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب. لأنه لا يعرف"العفو" بمعنى السرور،في شيء من كلامها، إلا أن يكون أراد: حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم، فيكون ذلك وجهًا، وإن بَعُد.

* *

وأما قوله: ﴿وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء﴾ ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها، استدراجًا وابتلاء، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها= وهي"السراء"، لأنها تَسرُّ أهلها. [[انظر تفسير"السراء" ومراجعه فيما سلف قريبًا ص: ٥٧٣، تعليق: ١.]]

وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.

يقول جل جلاله: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ ، يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، [[انظر تفسير"البغتة" فيما سلف ١١: ٣٢٥، ٣٦٠، ٣٦٨.]] وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه. [[انظر تفسير"شعر" فيما سلف ص: ٩٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]