سورة القرآن surah-quran.com

سورة هود

سورة هود، الآية 101

الجزء 12، الصفحة 233.

وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴿١٠١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وما كان إهلاكهم بغير سبب وذنب يستحقونه، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم وإفسادهم في الأرض، فما نفعتهم آلهتهم التي كانوا يدعُونها ويطلبون منها أن تدفع عنهم الضر لمّا جاء أمر ربك بعذابهم، وما زادتهم آلهتهم غير تدمير وإهلاك وخسران.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 96 إلى 101

الآية 96: يقول تعالى: {ولقد أرسلنا موسى}: ابن عمران {بآياتنا}: الدالَّة على صدق ما جاء به؛ كالعصا واليد ونحوهما من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام، {وسلطانٍ مُبينٍ}؛ أي: حجة ظاهرة بيِّنة ظهرتْ ظهور الشمس.

الآية 97:{إلى فرعونَ وملئِهِ}؛ أي: أشراف قومه؛ لأنَّهم المتبوعون، وغيرهم تَبَع لهم، فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات التي أراهم إيَّاها كما تقدم بسطُها في سورة الأعراف، ولكنهم {اتَّبعوا أمرَ فرعون وما أمرُ فرعونَ برشيدٍ}: بل هو ضالٌّ غاوٍ لا يأمر إلا بما هو ضررٌ محضٌ.

الآية 98: لا جرم لمَّا اتَّبعه قومُه؛ أرداهم وأهلكهم؛ {يَقۡدُمُ قومَه يوم القيامة فأوردَهم النارَ وبئس الوِرۡدُ المورودُ}.

الآية 99:{وأُتۡبِعوا في هذه}؛ أي: في الدنيا {لعنةً ويوم القيامةِ}؛ أي: يلعنهم الله وملائكته والناسُ أجمعون في الدنيا والآخرة. {بئس الرِّفۡدُ المرفودُ}؛ أي: بئس ما اجتمع لهم، وترادَفَ عليهم من عذاب الله ولعنة الدُّنيا والآخرة.

الآية 100: ولما ذكر قصص هؤلاء الأمم مع رسلهم؛ قال الله تعالى لرسوله:{ذلك من أنباءِ القُرى نقصُّه عليك}: لتنذر به ويكونَ آية على رسالتك وموعظةً وذكرى للمؤمنين. {منها قائمٌ}: لم يتلفْ بل بقي من آثار ديارهم ما يدلُّ عليهم. {و} منها {حصيدٌ}: قد تهدَّمت مساكنهم، واضمحلَّت منازلهم فلم يبقَ لها أثرٌ.

الآية 101:{وما ظَلَمۡناهم}: بأخذهم بأنواع العقوبات، {ولكن ظَلَموا أنفسَهم}: بالشرك والكفر والعناد. {فما أغنتۡ عنهم آلهتُهم التي يَدۡعون من دون الله من شيءٍ لمَّا جاء أمرُ ربِّك}: وهكذا كلُّ من التجأ إلى غير الله؛ لم ينفعْه ذلك عند نزول الشدائد. {وما زادوهم غير تَتۡبيبٍ}؛ أي: خسار ودمار بالضدِّ مما خطر ببالهم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِإهْلاكِهِمْ بِغَيْرِ ذَنْب ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسهمْ﴾ بِالشِّرْكِ ﴿فَما أغْنَتْ﴾ دَفَعَتْ ﴿عَنْهُمْ آلِهَتنا الَّتِي يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدُونَ ﴿مِن دُون اللَّه﴾ أيْ غَيْره ﴿مِن﴾ زائِدَة ﴿شَيْء لَمّا جاءَ أمْر رَبّك﴾ عَذابه ﴿وما زادُوهُمْ﴾ بِعِبادَتِهِمْ لَها ﴿غَيْر تَتْبِيب﴾ تَخْسِير

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 100 إلى 101

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى خَبَرَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا جَرَى لَهُمْ مَعَ أُمَمِهِمْ، وَكَيْفَ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ ونَجّى الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أَيْ: مِنْ أَخْبَارِهَا ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [[في ت: "نقصها" وهو خطأ.]] أَيْ: عَامِرٌ، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أَيْ: هَالِكٌ دَائِرٌ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أَيْ: إِذْ أَهْلَكْنَاهُمْ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا وَكَفْرِهِمْ بِهِمْ، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ أَيْ: أَصْنَامُهُمْ وَأَوْثَانُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا وَيَدْعُونَهَا، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أَيْ: مَا نَفَعُوهُمْ وَلَا أَنْقَذُوهُمْ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ بِإِهْلَاكِهِمْ، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [[في ت: "تثبيت".]] .

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: أَيْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ هَلَاكِهِمْ ودَمَارهم إِنَّمَا كَانَ بِاتِّبَاعِهِمْ تِلْكَ الْآلِهَةَ وَعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا [[في ت: "إياهم".]] فَبِهَذَا أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَخَسِرُوا بِهِمْ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما عاقبنا أهل هذه القرى التي اقتصَصنا نبأها عليك، يا محمد، بغير استحقاق منهم عقوبتنا، فنكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا هُمْ في غير موضعها = ﴿ولكن ظلموا أنفسهم﴾ ، يقول: ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بمعصيتهم الله وكفرهم به، عقوبتَه وعذابه، فأحلوا بها ما لم يكن لهم أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها = ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء﴾ ، يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله، [[انظر تفسير " أغني عنه " فيما سلف ص: ٢١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ويدعونها أربابًا من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه = ﴿لما جاء أمر ربك﴾ ، يا محمد، يقول: لما جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ عليهم عقابه، ونزل بهم سَخَطه = ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ ، يقول: وما زادتهم آلهتهم عند مجيء أمر ربك هؤلاء المشركين بعقاب الله غير تخسيرٍ وتدميرٍ وإهلاك.

* *

يقال منه: "تبَّبْتُه أتبِّبُه تَتْبيبًا"، ومنه قولهم للرجل: "تبًّا لك"، قال جرير:

عَرَادَةُ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ... أَلا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا تَبَابًا [[ديوانه: ٧٢، من قصيدته المشهورة في هجاء الراعي النميري، وكان سببها أن " عرادة النميري "، وهو رواية الراعي كان نديمًا للفرزدق، فقدم الراعي البصرة، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه وقال: فضل الفرزدق على جرير! فأبى. فلما أخذ فيه الشراب، لم يزل به حتى قال: يا صَاحِبَيَّ دَنا الرَّواحُ فَسِيرَا ... غَلَبَ الفَرَزْدَقُ في الهِجَاءِ جريرَا

فهاج الهجاء بينهما، فكان مما ذكر به عرادة قوله: أتَانِي عَنْ عَرَادَةَ قَوْلُ سُوءٍ ... فَلاَ وَأَبِي عُرَادَةَ مَا أَصَابَا

وَكَمْ لَكَ يَا عُرَادَةُ مِنْ أُمِّ سُوءٍ ... بَأَرْضِ الطَّلْحِ تَحْتَبِلُ الزَّبابَا

لَبِئْسَ الْكَسْبُ تَكْسِبُهُ نُمَيْرٌ ... إِذَا اسْتَأْنَوْكَ وانْتَظَروا الإِيابَا

وكان في المخطوطة والمطبوعة: " عرابة "، وهو خطأ صرف.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٥٣- حدثني المثني قال، حدثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصري قال، حدثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر في قوله: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ ، قال: غير تخسير. [[الأثر: ١٨٥٥٣ - " سعيد بن سلام، أبو الحسن البصري العطار الثوري الأعور "، منكر الحديث، كذاب يحدث عن الثوري، لا يكتب حديثه، مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٤٤١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣١، ولسان الميزان ٣: ٣١، وميزان الاعتدال ١: ٣٨٢. " ونسير بن ذعلوق الثوري "، ثقة، مضى برقم: ٥٤٩١، ١٣٤٨٨.]]

١٨٥٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غير تتبيب﴾ ، قال: تخسير.

١٨٥٥٥- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٥٥٦-حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿غير تتبيب﴾ ، يقول: غير تخسير.

١٨٥٥٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿غير تتبيب﴾ ، قال: غير تخسير.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره، وإن كان خبرًا عمَّن مَضَى من الأمم قبلنا، فإنه وعيدٌ من الله جلّ ثناؤه لنا أيتها الأمة، أنا إن سلكنا سبيلَ الأمم قبلَنا في الخلاف عليه وعلى رسوله، سلك بنا سبيلهم في العُقوبة = وإعلام منه لما أنه لا يظلم أحدًا من خلقه، وأن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم، كما:-

١٨٥٥٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال، اعتذر = يعني ربنا جل ثناؤه = إلى خلقه فقال: ﴿وما ظلمناهم﴾ ، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم، ﴿ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم﴾ ، حتى بلغ: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ ، قال: ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبيب.