سورة يوسف، الآية 58
الجزء 13، الصفحة 242.
وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ﴿٥٨﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يوسف
تفسير الآية
التفسير الميسر
وقدِمَ إخوة يوسف إلى «مصر» -بعد أن حلَّ بهم الجدب في أرضهم-؛ ليجلبوا منها الطعام، فدخلوا عليه فعرفهم لقوَّة فراسته وذكائه، ولم يعرفوه لطول المدة وتغيُّر هيئته.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 58 إلى 68
الآية 58: فجاء {إخوةُ يوسفَ فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون}؛ أي: لم يعرفوه.
الآية 59:{ولما جهَّزهم بجهَازهم}؛ أي: كال لهم كما كان يَكيلُ لغيرِهم، وكان من تدبيرِهِ الحسن أنَّه لا يَكيل لكلِّ واحدٍ أكثر من حِمْل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أنَّ لهم أخاً عند أبيه، وهو بنيامين، فقال لهم:{ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم}: ثم رغَّبهم في الإتيان به، فقال:{ألا تَرَوۡنَ أنِّي أوفي الكيلَ وأنا خيرُ المنزِلين}: في الضيافة والإكرام.
الآية 60: ثمَّ رهَّبهم بعدم الإتيان به، فقال:{فإن لم تأتوني به فلا كَيۡلَ لكُم عندي ولا تَقۡرَبونِ}: وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأنَّ ذلك يحملهم على الإتيان به.
الآية 61: فقالوا: {سنراوِدُ عنه أباه}: دلَّ هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولَعاً به لا يصبِرُ عنه، وكان يتسلَّى به بعد يوسف؛ فلذلك احتاج إلى مراودةٍ في بعثه معهم، {وإنَّا لفاعلونَ}: لما أمرتنا به.
الآية 62:{وقال} يوسفُ {لفتيانِهِ} الذين في خدمتِهِ: {اجعَلوا بضاعَتَهم}؛ أي: الثمن الذي اشتروا به منه الميرة، {في رحالهم لعلَّهم يعرِفونها}؛ أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم؛ {لعلَّهم يرجِعون}: لأجل التحرُّج من أخذها على ما قيل. والظاهر أنَّه أراد أن يرغِّبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلاً وافياً ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسُّون بها ولا يشعرون لما يأتي؛ فإنَّ الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن.
الآية 63:{فلمَّا رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنِعَ منا الكيلُ}؛ أي: إن لم ترسلْ معنا أخانا، {فأرسِلۡ معنا أخانا نَكۡتَلۡ}؛ أي: ليكون ذلك سبباً لكيلنا. ثم التزموا له بحفظه فقالوا:{وإنَّا له لحافظونَ}: من أن يعرض له ما يكره.
الآية 64:{قال} لهم يعقوبُ عليه السلام: {هل آمنُكم عليه إلاَّ كما أمِنتُكم على أخيه من قبلُ}؛ أي: قد تقدَّم منكم التزام أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا؛ فلم تَفوا بما عقدتم من التأكيد؛ فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثقُ بالله تعالى. {فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحمُ الراحمين}؛ أي: يعلم حالي وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويردُّه عليَّ، وكأنَّه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم.
الآية 65: ثم إنهم {لما فَتَحوا متاعَهم وَجَدوا بضاعتهم رُدَّتۡ إليهم}: هذا دليلٌ على أنَّه قد كان معلوماً عندهم أن يوسف قد ردَّها عليهم بالقصد، وأنَّه أراد أن يملِّكهم إياها، فقالوا لأبيهم ترغيباً في إرسال أخيهم معهم:{يا أبانا ما نَبۡغي}؛ أي: أيُّ شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل حيثُ وفَّى لنا الكيل، وردَّ علينا بضاعتنا على [هذا] الوجه الحسن المتضمِّن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟! {هذه بضاعتُنا رُدَّتۡ إلينا ونَميرُ أهلنا}؛ أي: إذا ذهبنا بأخينا؛ صار سبباً لكَيْلِهِ لنا، فَمِرْنا أهلنا، وأتينا لهم بما هم مضطرُّون إليه من القوت، {ونحفظُ أخانا ونزدادُ كَيۡلَ بعيرٍ}: بإرساله معنا؛ فإنه يكيل لكلِّ واحدٍ حِمْل بعير. {ذلك كيلٌ يسيرٌ}؛ أي: سهل لا ينالك ضررٌ؛ لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد تبيَّنت.
الآية 66: فقال لهم يعقوب: {لن أرسِلَه معكم حتى تؤتوني مَوۡثِقاً من الله}؛ أي: عهداً ثقيلاً وتحلفون بالله {لتأتُنَّني به إلاَّ أن يُحاطَ بكم}؛ أي: إلاَّ أن يأتيكم أمرٌ لا قَبِلَ لكم به ولا تقدرون دفعه، {فلمَّا آتَوۡه مَوۡثِقهم}: على ما قال وأراد؛ {قال: الله على ما نقولُ وكيلٌ}؛ أي: تكفينا شهادتُه علينا وحفظه وكفالته.
الآية 67: ثم لما أرسله معهم؛ وصَّاهم إذا هم قدموا مصر أن لا يَدْخلوا {من بابٍ واحد وادخُلوا من أبواب متفرِّقة}: وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لكثرتهم وبهاء منظرهم؛ لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، {و} إلا فَ {مَا أغني عنكم من الله}: شيئاً؛ فالمقدَّر لا بدَّ أن يكون. {إن الحكمُ إلا لله}؛ أي: القضاء قضاؤه والأمر أمره؛ فما قضاه، وحكم به لا بدَّ أن يقع. {عليه توكلتُ}؛ أي: اعتمدت على الله لا على ما وصَّيتكم به من السبب. {وعليه فليتوكَّل المتوكِّلون}: فإنَّ بالتوكُّل يحصُل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب.
الآية 68:{ولما} ذهبوا و {دَخَلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان}: ذلك الفعل {يُغۡني عنهم من الله من شيءٍ إلاَّ حاجةً في نفس يعقوب قضاها}: وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوعُ طمأنينةٍ وقضاءٍ لما في خاطره، وليس هذا قصوراً في علمه؛ فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه:{وإنَّه لذو علم}؛ أي: لصاحب علم عظيم، {لما علَّمۡناه}؛ أي: لتعليمنا إيَّاه، لا بحوله وقوَّته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه. {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وكذلك أهل العلم منهم يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثيرٌ.
تفسير الجلالين
﴿وجاءَ إخْوَة يُوسُف﴾ إلّا بِنْيامِين لِيَمْتارُوا لِما بَلَغَهُمْ أنَّ عَزِيز مِصْر يُعْطِي الطَّعام بِثَمَنِهِ ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ أنَّهُمْ إخْوَته ﴿وهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لايَعْرِفُونَهُ لِبُعْدِ عَهْدهمْ بِهِ وظَنّهمْ هَلاكه فَكَلَّمُوهُ بالعبرانية فَقالَ كالمُنْكِرِ عَلَيْهِمْ: ما أقْدَمَكُمْ بِلادِي ؟ فَقالُوا لِلْمِيرَةِ فَقالَ لَعَلَّكُمْ عُيُون قالُوا مَعاذ اللَّه قالَ فَمِن أيْنَ أنْتُمْ ؟ قالُوا مِن بِلاد كَنْعان وأَبُونا يَعْقُوب نَبِيّ اللَّه قالَ ولَهُ أوْلاد غَيْركُمْ ؟ قالُوا نَعَمْ كُنّا اثْنَيْ عَشَر فَذَهَبَ أصْغَرنا هَلَكَ فِي البَرِّيَّة وكانَ أحَبّنا إلَيْهِ وبَقِيَ شَقِيقه فاحْتَبَسَهُ لِيَتَسَلّى بِهِ عَنْهُ فَأَمَرَ بِإنْزالِهِمْ وإكْرامهمْ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 58 إلى 62
ذَكَرَ السُّدي، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي أَقْدَمَ إِخْوَةَ يُوسُفَ بِلَادَ مِصْرَ، أَنَّ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا بَاشَرَ الْوَزَارَةَ بِمِصْرَ، وَمَضَتِ السَّبْعُ السِّنِينَ الْمُخْصِبَةُ، ثُمَّ تَلَتْهَا سنينُ الْجَدْبِ، وَعَمَّ الْقَحْطُ بِلَادَ مِصْرَ بِكَمَالِهَا، وَوَصَلَ إِلَى بِلَادِ كَنْعَانَ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْلَادُهُ. وَحِينَئِذٍ احْتَاطَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلنَّاسِ فِي غَلَّاتِهِمْ، وَجَمَعَهَا أَحْسَنَ [[في ت: "أتم".]] جَمْعٍ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَبْلَغٌ عَظِيمٌ، وأهراءَ مُتَعَدِّدَةٌ هَائِلَةٌ، وَوَرَدَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْمُعَامَلَاتِ، يَمْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، فَكَانَ لَا يُعْطَى الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ حَمْلِ بِعِيرٍ فِي السَّنَةِ. وَكَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُشْبِعُ نَفْسَهُ وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَالْمَلِكُ وَجُنُودُهُمَا إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فِي وَسَطِ النَّهَارِ، حَتَّى يَتَكَفَّى النَّاسُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مُدَّةَ السَّبْعِ سِنِينَ. وَكَانَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ بَاعَهُمْ فِي السَّنَةِ الْأَوْلَى بِالْأَمْوَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمَتَاعِ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِكَذَا، وَفِي الرَّابِعَةِ بِكَذَا، حَتَّى بَاعَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ بَعْدَمَا تَمَلَّك عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُونَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا، اللَّهُ [[في ت: "والله".]] أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي لَا تُصَدَّقُ وَلَا تَكْذَّبُ.
وَالْغَرَضُ أَنَّهُ كَانَ فِي جُمْلَةِ مِنْ وَرَدَ لِلْمِيرَةِ إخوةُ يُوسُفَ، عَنْ أَمْرِ أَبِيهِمْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ بَلَغَهُمْ أَنَّ عَزِيزَ مِصْرَ يُعْطِي النَّاسَ الطَّعَامَ بِثَمَنِهِ، فَأَخَذُوا مَعَهُمْ بِضَاعَةً يَعْتَاضُونَ بِهَا طَعَامًا، وَرَكِبُوا عَشَرَةُ نَفَرٍ، وَاحْتَبَسَ يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَهُ بِنْيَامِينَ شَقِيقَ يُوسُفَ، عَلَيْهِمَا [[في ت: "عليه".]] السَّلَامُ، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ بَعْدَ يُوسُفَ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أُبَّهَتِهِ وَرِيَاسَتِهِ وَسِيَادَتِهِ، عَرَفَهُمْ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِمْ، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْرِفُونَهُ؛ لِأَنَّهُمْ فَارَقُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ حَدَثٌ فَبَاعُوهُ [[في ت: "وباعوه".]] لِلسَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهِ، وَلَا كَانُوا يَسْتَشْعِرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وأما هو فعرفهم.
فَذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ شَرَعَ يُخَاطِبُهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِمْ: مَا أَقْدَمُكُمْ بِلَادِي؟ قَالُوا: أَيُّهَا الْعَزِيزُ، إِنَّا قَدِمْنَا لِلْمِيرَةِ. قَالَ: فَلَعَلَّكُمْ عُيُونٌ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ. قَالَ: فَمَنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ بِلَادِ كَنْعَانَ، وَأَبُونَا يَعْقُوبُ نَبِيُّ اللَّهِ. قَالَ: وَلَهُ أَوْلَادٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، كُنَّا اثْنَى عَشَرَ، فَذَهَبَ أَصْغَرُنَا، هَلَكَ فِي البَرِيَّة، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِيهِ، وَبَقِيَ شَقِيقُهُ فَاحْتَبَسَهُ [[في ت: "فاحبسوه".]] أَبُوهُ لِيَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ. فَأَمْرٌ بِإِنْزَالِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أَيْ: وَفَّاهم كَيْلَهُمْ، وَحَمَّلَ لَهُمْ أَحْمَالَهُمْ قَالَ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ، لِأَعْلَمَ صِدْقَكُمْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ، ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ يُرَغِّبُهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَهَّبَهم فَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أَيْ: إِنْ لَمْ تَقْدَمُوا بِهِ مَعَكُمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي مِيرَةٌ، ﴿وَلا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أَيْ: سَنَحْرِصُ عَلَى مَجِيئِهِ إِلَيْكَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا نُبْقِي مَجْهُودًا لِتَعْلَمَ صِدْقَنَا فِيمَا قُلْنَاهُ.
وَذَكَرَ السُّدِّيُّ: أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ رَهَائِنَ حَتَّى يَقْدُمُوا بِهِ مَعَهُمْ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَرَغَّبَهُمْ كَثِيرًا، وَهَذَا لِحِرْصِهِ [[في ت: "ولهذا بحرصه" وفي أ: "ولهذا يحرضهم".]] عَلَى رُجُوعِهِمْ.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ أَيْ: غِلْمَانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ وَهِيَ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا لِيَمْتَارُوا عِوَضًا عَنْهَا ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَيْ: فِي أَمْتِعَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بِهَا.
قِيلَ: خَشِيَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَلَّا يَكُونَ عِنْدَهُمْ بِضَاعَةٌ أُخْرَى يَرْجِعُونَ لِلْمِيرَةِ بِهَا. وَقِيلَ: تَذَمَّمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عِوَضًا عَنِ الطَّعَامِ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِذَا وَجَدُوهَا فِي مَتَاعِهِمْ تَحَرُّجًا وَتَوَرُّعًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ [[في ت، أ: "منهم ذلك".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم﴾ ، يوسف، ﴿وهم﴾ ليوسف ﴿منكرون﴾ لا يعرفونه.
* *
وكان سبب مجيئهم يوسفَ، فيما ذكر لي، كما:-
١٩٤٦٣ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما اطمأن يوسف في ملكه، وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهد الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، [[في المطبوعة:" أسا بينهم"، والصواب من المخطوطة. و" آسى بين القوم"، سوى بينهم، وجعل كل واحد أسوة لصاحبه، أي مثله.]] وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين، تقسيطًا بين الناس، وتوسيعًا عليهم، [[" التقسيط" التفريق، أعطى لكل امرئ قسطًا، وهو من العدل بينهم.]] فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس، يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف عليه السلام فيما أراد. [[في المطبوعة:" ما أراد"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]]
١٩٤٦٤- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: أصاب الناس الجوعُ، حتى أصاب بلادَ يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين ؛ فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون ؛ فلما نظر إليهم، قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثنى عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تخبروني أن أباكم صدِّيق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير؟ ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾ ، قال: فضعُوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا. فوضعوا شمعون.
١٩٤٦٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وهم له منكرون﴾ قال: لا يعرفونه.