سورة يوسف، الآية 59
الجزء 13، الصفحة 242.
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ﴿٥٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة يوسف
تفسير الآية
التفسير الميسر
وقد أمر يوسف بإكرامهم وحسن ضيافتهم، ثم أعطاهم من الطعام ما طلبوا، وكانوا قد أخبروه أن لهم أخًا من أبيهم لم يُحضروه معهم -يريدون شقيقه «بِنْيامين»- فقال: ائتوني بأخيكم من أبيكم، ألم تروا أني أوفيتُ لكم الكيل وأكرمتكم في الضيافة، وأنا خير المضيفين لكم؟
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 58 إلى 68
الآية 58: فجاء {إخوةُ يوسفَ فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون}؛ أي: لم يعرفوه.
الآية 59:{ولما جهَّزهم بجهَازهم}؛ أي: كال لهم كما كان يَكيلُ لغيرِهم، وكان من تدبيرِهِ الحسن أنَّه لا يَكيل لكلِّ واحدٍ أكثر من حِمْل بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أنَّ لهم أخاً عند أبيه، وهو بنيامين، فقال لهم:{ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم}: ثم رغَّبهم في الإتيان به، فقال:{ألا تَرَوۡنَ أنِّي أوفي الكيلَ وأنا خيرُ المنزِلين}: في الضيافة والإكرام.
الآية 60: ثمَّ رهَّبهم بعدم الإتيان به، فقال:{فإن لم تأتوني به فلا كَيۡلَ لكُم عندي ولا تَقۡرَبونِ}: وذلك لعلمه باضطرارهم إلى الإتيان إليه، وأنَّ ذلك يحملهم على الإتيان به.
الآية 61: فقالوا: {سنراوِدُ عنه أباه}: دلَّ هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولَعاً به لا يصبِرُ عنه، وكان يتسلَّى به بعد يوسف؛ فلذلك احتاج إلى مراودةٍ في بعثه معهم، {وإنَّا لفاعلونَ}: لما أمرتنا به.
الآية 62:{وقال} يوسفُ {لفتيانِهِ} الذين في خدمتِهِ: {اجعَلوا بضاعَتَهم}؛ أي: الثمن الذي اشتروا به منه الميرة، {في رحالهم لعلَّهم يعرِفونها}؛ أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم؛ {لعلَّهم يرجِعون}: لأجل التحرُّج من أخذها على ما قيل. والظاهر أنَّه أراد أن يرغِّبهم في إحسانه إليهم بالكيل لهم كيلاً وافياً ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسُّون بها ولا يشعرون لما يأتي؛ فإنَّ الإحسان يوجب للإنسان تمام الوفاء للمحسن.
الآية 63:{فلمَّا رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنِعَ منا الكيلُ}؛ أي: إن لم ترسلْ معنا أخانا، {فأرسِلۡ معنا أخانا نَكۡتَلۡ}؛ أي: ليكون ذلك سبباً لكيلنا. ثم التزموا له بحفظه فقالوا:{وإنَّا له لحافظونَ}: من أن يعرض له ما يكره.
الآية 64:{قال} لهم يعقوبُ عليه السلام: {هل آمنُكم عليه إلاَّ كما أمِنتُكم على أخيه من قبلُ}؛ أي: قد تقدَّم منكم التزام أكثر من هذا في حفظ يوسف، ومع هذا؛ فلم تَفوا بما عقدتم من التأكيد؛ فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، وإنما أثقُ بالله تعالى. {فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحمُ الراحمين}؛ أي: يعلم حالي وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويردُّه عليَّ، وكأنَّه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم.
الآية 65: ثم إنهم {لما فَتَحوا متاعَهم وَجَدوا بضاعتهم رُدَّتۡ إليهم}: هذا دليلٌ على أنَّه قد كان معلوماً عندهم أن يوسف قد ردَّها عليهم بالقصد، وأنَّه أراد أن يملِّكهم إياها، فقالوا لأبيهم ترغيباً في إرسال أخيهم معهم:{يا أبانا ما نَبۡغي}؛ أي: أيُّ شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل حيثُ وفَّى لنا الكيل، وردَّ علينا بضاعتنا على [هذا] الوجه الحسن المتضمِّن للإخلاص ومكارم الأخلاق؟! {هذه بضاعتُنا رُدَّتۡ إلينا ونَميرُ أهلنا}؛ أي: إذا ذهبنا بأخينا؛ صار سبباً لكَيْلِهِ لنا، فَمِرْنا أهلنا، وأتينا لهم بما هم مضطرُّون إليه من القوت، {ونحفظُ أخانا ونزدادُ كَيۡلَ بعيرٍ}: بإرساله معنا؛ فإنه يكيل لكلِّ واحدٍ حِمْل بعير. {ذلك كيلٌ يسيرٌ}؛ أي: سهل لا ينالك ضررٌ؛ لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد تبيَّنت.
الآية 66: فقال لهم يعقوب: {لن أرسِلَه معكم حتى تؤتوني مَوۡثِقاً من الله}؛ أي: عهداً ثقيلاً وتحلفون بالله {لتأتُنَّني به إلاَّ أن يُحاطَ بكم}؛ أي: إلاَّ أن يأتيكم أمرٌ لا قَبِلَ لكم به ولا تقدرون دفعه، {فلمَّا آتَوۡه مَوۡثِقهم}: على ما قال وأراد؛ {قال: الله على ما نقولُ وكيلٌ}؛ أي: تكفينا شهادتُه علينا وحفظه وكفالته.
الآية 67: ثم لما أرسله معهم؛ وصَّاهم إذا هم قدموا مصر أن لا يَدْخلوا {من بابٍ واحد وادخُلوا من أبواب متفرِّقة}: وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لكثرتهم وبهاء منظرهم؛ لكونهم أبناء رجل واحد، وهذا سبب، {و} إلا فَ {مَا أغني عنكم من الله}: شيئاً؛ فالمقدَّر لا بدَّ أن يكون. {إن الحكمُ إلا لله}؛ أي: القضاء قضاؤه والأمر أمره؛ فما قضاه، وحكم به لا بدَّ أن يقع. {عليه توكلتُ}؛ أي: اعتمدت على الله لا على ما وصَّيتكم به من السبب. {وعليه فليتوكَّل المتوكِّلون}: فإنَّ بالتوكُّل يحصُل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب.
الآية 68:{ولما} ذهبوا و {دَخَلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان}: ذلك الفعل {يُغۡني عنهم من الله من شيءٍ إلاَّ حاجةً في نفس يعقوب قضاها}: وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك نوعُ طمأنينةٍ وقضاءٍ لما في خاطره، وليس هذا قصوراً في علمه؛ فإنه من الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه:{وإنَّه لذو علم}؛ أي: لصاحب علم عظيم، {لما علَّمۡناه}؛ أي: لتعليمنا إيَّاه، لا بحوله وقوَّته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه. {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون}: عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وكذلك أهل العلم منهم يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثيرٌ.
تفسير الجلالين
﴿ولَمّا جَهَزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ وفّى لَهُمْ كَيْلهمْ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِن أبِيكُمْ﴾ أيْ بِنْيامِين لِأَعْلَم صِدْقكُمْ فِيما قُلْتُمْ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْل﴾ أُتِمّهُ مِن غَيْر بَخْس
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 58 إلى 62
ذَكَرَ السُّدي، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي أَقْدَمَ إِخْوَةَ يُوسُفَ بِلَادَ مِصْرَ، أَنَّ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا بَاشَرَ الْوَزَارَةَ بِمِصْرَ، وَمَضَتِ السَّبْعُ السِّنِينَ الْمُخْصِبَةُ، ثُمَّ تَلَتْهَا سنينُ الْجَدْبِ، وَعَمَّ الْقَحْطُ بِلَادَ مِصْرَ بِكَمَالِهَا، وَوَصَلَ إِلَى بِلَادِ كَنْعَانَ، وَهِيَ الَّتِي فِيهَا يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوْلَادُهُ. وَحِينَئِذٍ احْتَاطَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلنَّاسِ فِي غَلَّاتِهِمْ، وَجَمَعَهَا أَحْسَنَ [[في ت: "أتم".]] جَمْعٍ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَبْلَغٌ عَظِيمٌ، وأهراءَ مُتَعَدِّدَةٌ هَائِلَةٌ، وَوَرَدَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْمُعَامَلَاتِ، يَمْتَارُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، فَكَانَ لَا يُعْطَى الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ حَمْلِ بِعِيرٍ فِي السَّنَةِ. وَكَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُشْبِعُ نَفْسَهُ وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَالْمَلِكُ وَجُنُودُهُمَا إِلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فِي وَسَطِ النَّهَارِ، حَتَّى يَتَكَفَّى النَّاسُ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مُدَّةَ السَّبْعِ سِنِينَ. وَكَانَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ بَاعَهُمْ فِي السَّنَةِ الْأَوْلَى بِالْأَمْوَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمَتَاعِ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِكَذَا، وَفِي الرَّابِعَةِ بِكَذَا، حَتَّى بَاعَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ بَعْدَمَا تَمَلَّك عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُونَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا، اللَّهُ [[في ت: "والله".]] أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي لَا تُصَدَّقُ وَلَا تَكْذَّبُ.
وَالْغَرَضُ أَنَّهُ كَانَ فِي جُمْلَةِ مِنْ وَرَدَ لِلْمِيرَةِ إخوةُ يُوسُفَ، عَنْ أَمْرِ أَبِيهِمْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ بَلَغَهُمْ أَنَّ عَزِيزَ مِصْرَ يُعْطِي النَّاسَ الطَّعَامَ بِثَمَنِهِ، فَأَخَذُوا مَعَهُمْ بِضَاعَةً يَعْتَاضُونَ بِهَا طَعَامًا، وَرَكِبُوا عَشَرَةُ نَفَرٍ، وَاحْتَبَسَ يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَهُ بِنْيَامِينَ شَقِيقَ يُوسُفَ، عَلَيْهِمَا [[في ت: "عليه".]] السَّلَامُ، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ بَعْدَ يُوسُفَ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أُبَّهَتِهِ وَرِيَاسَتِهِ وَسِيَادَتِهِ، عَرَفَهُمْ حِينَ نَظَرَ إِلَيْهِمْ، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْرِفُونَهُ؛ لِأَنَّهُمْ فَارَقُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ حَدَثٌ فَبَاعُوهُ [[في ت: "وباعوه".]] لِلسَّيَّارَةِ، وَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهِ، وَلَا كَانُوا يَسْتَشْعِرُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وأما هو فعرفهم.
فَذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ شَرَعَ يُخَاطِبُهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَيْهِمْ: مَا أَقْدَمُكُمْ بِلَادِي؟ قَالُوا: أَيُّهَا الْعَزِيزُ، إِنَّا قَدِمْنَا لِلْمِيرَةِ. قَالَ: فَلَعَلَّكُمْ عُيُونٌ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ. قَالَ: فَمَنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ بِلَادِ كَنْعَانَ، وَأَبُونَا يَعْقُوبُ نَبِيُّ اللَّهِ. قَالَ: وَلَهُ أَوْلَادٌ غَيْرُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، كُنَّا اثْنَى عَشَرَ، فَذَهَبَ أَصْغَرُنَا، هَلَكَ فِي البَرِيَّة، وَكَانَ أَحَبَّنَا إِلَى أَبِيهِ، وَبَقِيَ شَقِيقُهُ فَاحْتَبَسَهُ [[في ت: "فاحبسوه".]] أَبُوهُ لِيَتَسَلَّى بِهِ عَنْهُ. فَأَمْرٌ بِإِنْزَالِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أَيْ: وَفَّاهم كَيْلَهُمْ، وَحَمَّلَ لَهُمْ أَحْمَالَهُمْ قَالَ: ائْتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ، لِأَعْلَمَ صِدْقَكُمْ فِيمَا ذَكَرْتُمْ، ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ﴾ يُرَغِّبُهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَهَّبَهم فَقَالَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أَيْ: إِنْ لَمْ تَقْدَمُوا بِهِ مَعَكُمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي مِيرَةٌ، ﴿وَلا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أَيْ: سَنَحْرِصُ عَلَى مَجِيئِهِ إِلَيْكَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا نُبْقِي مَجْهُودًا لِتَعْلَمَ صِدْقَنَا فِيمَا قُلْنَاهُ.
وَذَكَرَ السُّدِّيُّ: أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ رَهَائِنَ حَتَّى يَقْدُمُوا بِهِ مَعَهُمْ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَرَغَّبَهُمْ كَثِيرًا، وَهَذَا لِحِرْصِهِ [[في ت: "ولهذا بحرصه" وفي أ: "ولهذا يحرضهم".]] عَلَى رُجُوعِهِمْ.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ أَيْ: غِلْمَانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ وَهِيَ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا لِيَمْتَارُوا عِوَضًا عَنْهَا ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَيْ: فِي أَمْتِعَتِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بِهَا.
قِيلَ: خَشِيَ يُوسُفُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَلَّا يَكُونَ عِنْدَهُمْ بِضَاعَةٌ أُخْرَى يَرْجِعُونَ لِلْمِيرَةِ بِهَا. وَقِيلَ: تَذَمَّمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ عِوَضًا عَنِ الطَّعَامِ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِذَا وَجَدُوهَا فِي مَتَاعِهِمْ تَحَرُّجًا وَتَوَرُّعًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ [[في ت، أ: "منهم ذلك".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزلِينَ (٥٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: ولما حمَّل يوسف لإخوته أبا عرهم من الطعام، فأوقر لكل رجل منهم بعيرَه، قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ كيما أحمل لكم بعيرًا آخر، فتزدادوا به حمل بعير آخر، ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، [[انظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف ١٥: ٤٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير" الكيل" فيما سلف ١٥: ٤٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فلا أبخسه أحدًا= ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، وأنا خير من أنزل ضيفًا على نفسه من الناس بهذه البلدة، فأنا أضيفكم. كما:
١٩٤٦٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأنا خير المنزلين﴾ ، يوسف يقوله: [[في المطبوعة:" يوسف يقول"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] أنا خيرُ من يُضيف بمصر.
١٩٤٦٧- حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما جهز يوسف فيمن جهَّز من الناس، حَمَل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال= ﴿ألا ترون أني أوفي الكيل﴾ ، أي: لا أبخس الناس شيئًا= ﴿وأنا خير المنزلين﴾ :، أي خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدّتكم، فإني لا أعطي كلّ رجل منكم إلا بعيرًا ﴿فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون﴾ ، لا تقربوا بلدي.
١٩٤٦٨- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ ، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.